فهذا القدر من المعرفة في نفس كل أحد ، ويتنبه الغافل عنه إذا نبّه عليه فيعرفه كما يعرف أن ما هو مساو لغيره فذلك الغير مساو له ، ومن هذا الوجه قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 1 » وقال في مخاطبة المؤمنين والكافرين :
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
« 2 » ثم قال بعده :
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
« 3 » .
وأما معرفة اللّه تعالى المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته ، وما يجب أن يثبت له من الصفات ، وما يجب أن ينفى عنه . وهذه المعرفة هي التي دعا الأنبياء عليهم السّلام لها وحثوا عليها ، ولهذا قال كلهم : قولوا لا إله إلا اللّه ، ولم يدع أحد إلى معرفته تعالى بل دعا إلى توحيده .
وهذه المعرفة أعني المكتسبة على ثلاثة أضرب : ضرب لا يكاد يدركه إلا نبي أو صديق أو شهيد ومن داناهم ، وذلك معرفته بالنور الإلهي من حيث لا يعتري فيه شك بوجه ، كما قال تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا
« 4 » .
وضرب : يدرك بغلبة الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين ، كما قال تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 5 » .
وضرب : يدرك بخيالات ومثل وتقليدات ، وإياه عني بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) لقمان / 25 .
( 2 ) النحل / 53 .
( 3 ) النحل / 54 .
( 4 ) الحجرات / 15 .
( 5 ) البقرة / 46 .