تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شعب الإيمان — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
ولم يقل بعد أفهو كذب ؟ فإن قال معناه سيقول . قيل ذلك قوله :
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
[ نوح : 1 ] . في أزله خبرا عن أن « سنرسل نوحا » قبل إرساله ، فإذا أرسل يكذب خبرا عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا ، كما أن علمه بأن سيكون الدنيا علمه بأنه كائن ، وإذا كان لم يحدث علم ، إنما حدث المعلوم والمخبر عنه ، دون العلم والخبر . فإن قالوا : لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل آمرا وأمر من ليس بموجود محال . قيل من قال من أصحابنا لم يزل آمرا فهو يقول لم يزل آمرا له يكون على معنى إذا خلقت وبلّغت ، وكمل عقلك ، فافعل كذا ، كأوامر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمن يأتي بعده . ومن قال لم يزل غير آمر وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى ، فنقول لا يجب إذا كان لم يزل متكلما أن يكون لم يزل آمرا لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر ، ولم يكن كلاما لأنه أمر وإنما كان كلاما لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم ، وينفي السكوت والخوص ، ويكون أمرا لعلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله . فإن قيل : لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا يسمع كلامه أحد . قيل أليس المسبّح لا يسمع كلامه أحد ، ولا يكون هذيا ، . فإن قيل : اللّه يسمعه . قيل : فهو يسمع الهذيان أيضا ، ولا يخرجه من أن يكون هذيانا ولأن معنى الهذيان أنه كلام لا يفيد وكلام اللّه يفيد المعاني الجليلة . فإن احتجّ محتجّ بالحروف ، وتأخر بعضها عن بعض ، وفي ذلك دلالة على الحدث وكلام الباري ليس بحروف وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع وتفهم معانيه والحروف تكون أدلة عليه ، كما تكون الكتابة امارات الكلام ودلالات عليه . وكما يعقل متكلما لا مخارج له ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا أصوات وقوله :