وكان هدفهما التوصل إلى تصحيح نواقص الوضع البشري وكان مسكويه يشعر بأنه محظوظ جدا لاقترابه من رجل فذ ونادر كابن العميد . وكان يعتبر ذلك بمثابة الفرصة السانحة لتطبيق آرائه النظرية والتجريدية والفلسفية على أرض الواقع بشكل محسوس . فهذا الرجل الذي سيصبح منظرا أخلاقيا فيما بعد كان يعتقد بأن الكمال البشري ليس وهما أو عبثا أو مجرد كلام فارغ . على العكس كان يعتقد أنه شيء ممكن بواسطة التربية والتهذيب والتعليم .
ولهذا السبب فإن ابن العميد أوكل إليه مهمة تعليم ابنه أبي الفتح ، وهذا أكبر دليل على مدى ثقته به وتقديره له . وبالتالي فإن العلاقة بينهما لم تكن علاقة السيد بالخادم ، وإنّما كانت علاقة صداقة وتواصل روحي وفكري عميق . لقد كانت تجمع بينهما هموم مشتركة وميل مشترك نحو التوصل إلى الحقيقة والسعادة ، كما تشهد على ذلك مقدمة رسالة « ترتيب السعادات » .
وتولى مسكويه مسؤولية خزانة المكتبة ، وانقاذها من نهب الخراسانيين وسلبهم .
وحفظت المكتبة في مكان سريّ .
لقد استمر ينعم مسكويه بذلك مدة خمس سنوات وربّما أكثر ، لأن أبا الفتح لم يحسب الثقة التي وضعها والده فيه .
إن مسكويه الذي قرأ المؤلفات العديدة لجابر بن حيّان ، واطلع أيضا على أعمال الرازي ، كان قد فهم بالتأكيد بأن الكيمياء تشكل نقطة التقاء وتقاطع لعلوم عديدة .
فقد كانت تعلم منهجية تجريبية مؤسّسة على قاعدة نظرية فلسفية . كما وساعدت عليه النجاحات الاجتماعية الراقية في بلاط الأمراء ، وكذلك تراث علمي كان منتعشا جدا آنذاك .
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق — صفحة 58
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٥٨