بها المثل . « 1 » وهذا ما ساعده على إتقان العلوم الفلسفية ( كالمنطق ، ونظرية الإشراق ، والتصوّف ، والرياضيات ) يقول مسكويه عنه وهو مبهور بسعة إطلّاعه وتبحره في العلم :
« ثم كان يختص بضرائب من العلوم الغامضة التي لا يدعيها أحد كعلوم الحيل التي يحتاج فيها إلى أواخر علوم الهندسة والطبيعة . . . وحيل في الحروب مثل ذلك واتخاذ أسلحة عجيبة ، وسهام تنفذ أمدا بعيدا ، وتؤثر آثارا عظيمة . . . ومعرفة بدقائق علم التصوير . . . » . « 2 »
إنّ هذا النص يتخذ أهمية حاسمة بالنسبة لنا ، وذلك لأنه يتجاوز في أهمية حالة ابن العميد لكي يشمل وضعا ثقافيا باسره . إنّه يصور لنا الوضع الفكري في القرن الرابع الهجري ، فمثلا نلاحظ أنّ أبي الطيّب المتنبّي قد عبّر أحسن تعبير عن تلك البيئة في هذين البيتين الموجهين إلى ابن العميد ، يقول :
عربيّ لسانه فلسفيّ * رأيه ، فارسيّة أعياده
خلق اللّه أفصح الناس طرا * في مكان أعرابه أكراده « 3 »
يضاف إلى ذلك أن الحلقات الفلسفية قد تكاثرت في تلك الفترة ، وازداد إنتاجها ونشاطها إلى درجة أن نصوص الفكر الإغريقي قد أصبحت تقرأ وتشرح وتناقش وتبجّل . بل ووصل الأمر إلى حدّ أن أولوية العقل قد حلّت محل أولوية الكتب المقدسة ، وارتفعت أمثال وأقوال الحكماء إلى مرتبة أحاديث الأنبياء ! وراحت هذه
هامش
( 1 ) . كان يكفيه أن يسمع مئات الأبيات من الشعر مرة واحدة لكي يحفظها عن ظهر القلب . انظر تجارب الأمم .
( 2 ) . تجارب الأمم ، ج 2 ، ص 278 .
( 3 ) . انظر : امراء البيان ، محمد كرد علي ج 2 ص 578 .