مشتاقا إليها ، متحركا نحوها مغتبطا بها ، « 1 » وهو مع ذلك يطالع الأمور البدنية معتبرا بها ، ناظرا في علامات القدرة الإلهية ودلائل الحكمة البالغة مقتديا بها ، ناظما لها مفيضا للخيرات عليها سابقا لها نحو الأفضل فالأفضل بحسب قبولها وعلى نحو استطاعتها ، وأي امرئ لم يحصل في احدى هاتين المنزلتين فهو في رتبة الانعام بل هو أضل ، وإنما صار أضل لان تلك غير معرضة لهذه الخيرات ، ولا أعطيت استطاعة تتحرك بها نحو هذه المراتب العالية ، وانما تتحرك بقواها نحو كمالاتها الخاصة بها ، والانسان معرض لها مندوب إليها مزاح العلة فيها ، وهو مع ذلك غير محصل لها ولا ساع نحوها ، وهو مع ذلك مؤثر لضدها يستعمل قواه الشريفة في الأمور الدنيئة ، وتلك محصلة لكمالاتها التي تخصها .
فإذا الأنعام إذا منعت الخيرات الانسيّة حرمت جوار الأرواح الطيّبة ودخول الجنة التي وعد المتقون ، فهي معذورة والانسان غير معذور ؛ مثل الأول مثل الأعمى إذا جار عن الطريق فتردى « 2 » في بئر فهو مرحوم غير ملوم ، ومثل الثاني مثل بصير يجور على بصيرة حتى يتردى في البئر فهو ممقوت ملوم .
وإذ قد تبين أن السعيد لا محالة في احدى المرتبتين اللتين ذكرناهما ، فقد تبين أيضا أن أحدهما ناقص مقصر عن الآخر ، وأن الأنقص منهما ليس يخلو ولا يتعرى من الآلام والحسرات ، لأجل خدائع الطبيعة والزخارف الحسية التي تعترضه في ما يلابسه ، وتعوقه عما يلاحظه وتمنعه من الترقّي فيها على ما ينبغي ، وتشغله بما يتعلق به من الأمور الجسمانية .
هامش
( 1 ) . فرحا وسعيدا بها .
( 2 ) . هلك .