وإن كان وحيدا لم يأمن مكره . الكريم يمنح أخاه مودته عن لقاءة واحدة أو معرفة يوم ، واللئيم لا يواصل أحدا إلا عن رغبة أو رهبة . وجدنا البلايا يسوقها إلى أهلها الحرص والشره . ليحسن اجتهادك لنفسك مما تكون به للخير أهلا ، فإنك إذا فعلت ذلك أتاك الخير [ 37 ا ] يطلبك كما يطلب الماء في السيل « 1 » الحدور . خمسة أشياء لا بقاء لها ولا ثبات : ظل الغمام ، وخلة الأشرار ، وعشق النساء ، والثناء الكاذب ، والمال الكثير . ليس يفرح العاقل بالمال الكثير ولا يحزن « 2 » لقلته ، ولكن ماله وعقله وما قدم من صالح عمله . لا يعد غنيا من لم يشارك في ماله « 3 » ، ولا يعد نعيما ما كان في سوء ثناء ، ولا يعد غنما ما ساق غرما ، ولا يعد غرما ما ساق غنما ، ولا يعد حياة ما كان في فراق الأحبة ، فان من المعونة على تسلية الهموم وسكون النفس لقاء الأخ أخاه إذا أفضى كل واحد « 4 » إلى صاحبه ببثه ، وإذا فرق بين الأليف وإلفه فقد حرم السرور وسلب الأنس وأفقد البهجة . من أتاه « 5 » اللّه سعة في الفهم وقوة في العقل فقد أتاه السلطان الذي يملك به نفسه ؛ ومن ملك نفسه بسلطان عقله قل أسفه على كل شئ « 6 » فائت ، وذاك أنه ينقض « 7 » باليقين ما تبرم الشهوات ، ويسوس نفسه بأن يقهرها على درك الخيرات . ومن لم يكن كذلك ملكته نفسه فأوردته الموارد المهلكة « 8 » المردية . بحسبك مثقفا لعقلك ومهذبا « 9 » لرأيك وهاديا إلى مراشدك ما تراه في غيرك من سيرة حسنة يغبط « 10 » بها وقبيح يذم عليه .
فمن لم يفهم من أحوال الناس ما يصطفى منه الأفضل ويتجنب الأنقص ، فلا حياة به ولا حيلة لمصلحته . الدهر أفصح المؤدبين ، وكفاك من كل يوم خبر
هامش
( 1 ) الحدور ( بفتح الحاء ) : اسم مقدار الماء في انحدار صببه ، وكل موضع منحدر ، والهبوط ؛ والحدور ( بضم الحاء ) : جعل الشئ ينحدر ، يقال : حدر الشئ يحدره ويحدره ( بكسر الدال وضمها ) حدرا وحدورا ، فانحدر : حطه من علو إلى سفل - وضبطت في ف :
بالفتح .
( 2 ) ط : يفرح - وهو تحريف ظاهر .
( 3 ) ف : حاله .
( 4 ) ف : واحد منهما .
( 5 ) ف : اللّه عز وجل .
( 6 ) شئ : ناقصة في ط .
( 7 ) ص : ينقص .
( 8 ) المهلكة : ناقصة في ط وف .
( 9 ) ف : مهديا .
( 10 ) ص ، ط : به .