يورده عليك ويعلمك من أي ناحية أتى به وأين مصيره وما فيه من عبرة وتأديب .
فمن فهم عن الأيام أورث زيادة ، وسطع نور عمله ، ولم يفتقر إلى غير نفسه .
على أن للإنسان حالات في أيام عمره ؛ وإنما ذلك بقدر عزته بأيامه [ 37 ب ] وغفلته في زمانه وقلة تحفظه لما تفيده « 1 » الأيام من تجاربه . فإذا فهم ما تملى « 2 » عليه الأيام « 3 » وحفظ أخبار الناس لم يلبث أن يصير محتنكا نافذ البصيرة « 4 » حازما فيما يحاول من الأمور كلها ، مستشارا فيما ينوب غيره من الحوادث .
وعلى حسب إحاطة عقله وإعانة فهمه له يكون إشرافه على الأمور . فأما ذو الغفلة فلو صحب الدنيا بعجائبها فيما تصرفت به على القرون لكان جذعا « 5 » في الغرة متدلها فيما يحدث ، لأن الغفلة ظلمة راكدة ، والمعرفة مصباح مضىء للخليقة . ولولا غيبة المخلوق وما يعرب من عقولهم عن عجيب فطرهم لكان فيما يقف عليه المرء من نفسه في رضاه وسخطه ، وضيقه وسعته ، وإمساكه وبذله ، وسكونه وقلقه ، وإسرافه وقصده « 6 » ، وجده وملاله « 7 » وحزمه وتفريطه .
ما يكفى ميزان عقله مشغلة عن التعجب من غيره وتعرف أحواله من أحوال سواه .
وذاك « 8 » أن عنده وفيه ما يعرف به حال نفسيه وفضل إحداهما على الأخرى . فإذا مال « 9 » إلى الأخس منهما - وقد تقدمت معرفته بشكوى عاقبته وخبرهما بندامتها « 10 » في سالف أيامه - أما في هذا ما يمنع المنصف عن ادعاء الحكمة ويرده عن الاستطالة بالفطنة ، ويوجب التقصير في الرأي ؟ لكنه أبصر « 11 » أمر سواه بعينه وفهمه ، ونظر إلى نفسه بغفلته وسهوه ، فثبت عنده ما عاين في غيره ،
هامش
( 1 ) ف : تفسده .
( 2 ) ف : تبلى عليه .
( 3 ) ص : الأيام من تجاربه حفظ . . .
( 4 ) ص : فاقد البصيرة / ف : نافذا لبصيرته .
( 5 ) جذعا : جديدا . متدله : متحير / ف : خدعا .
( 6 ) هنا تنتهى ورقة 42 ب في ط وهنا أقحم كراس ، والتتمة ترد بعد في ورقة 157 من المخطوط ط .
( 7 ) ص : ملاكه . وجده : . . : حدث خلط في تجليد ط فصارت هذه الكلمة أول ورقة 57 ا .
( 8 ) ط : وذلك .
( 9 ) ف : فإذا مال إلى الأخرى فإذا مالي إلى الأخس منهما . . .
( 10 ) وقد . . . بندامتها : ناقصة في ص .
( 11 ) أبصر : ناقصة في ط .