قلّ ما تفعل فيها ، وقد ذكرنا طرفا من هذا في رسالة الآثار العلوية ، ولولا خروجنا عمّا له قصدنا ، لشرحنا ذلك شرحا تامّا كاملا .
ثم اعلم أنه كما لا يجوز في العقل أن يكون حيوان إلّا من مماسّة أسباب أو نكاح أجسام ، كذلك لا توجد الأصوات إلّا في الأجسام ، ولا تصوّت الأجسام إلّا بحركات .
ثم إن الأصوات أعراض حادثة ، والجواهر أجسام حاملة لها ، فإن زعم زاعم أو اعترض معترض ، فقال إنه قد توجد أصوات في غير أجسام ومن غير حركات الأجسام ، وذلك أنه إذا تكلم متكلم في سفح جبل ، أو صاح في قعر بئر أو نهر ، أجابه مجيب بمثل كلامه ، يسمع المتكلّم جوابه من غير جسم ولا حركة جسم . وقد يرى أيضا حيوان يتكوّن من غير نتاج ولا نكاح مثل دود الخلّ وسوس التمر وما يتكوّن من العفونات ومن النّداوات وما أشبه ذلك ، فليعلم هذا المعترض وهذا القائل أنه ليس القول كما زعم ، فإنه جاهل بهذه الأشياء وبهذه الأسباب الموجبة لحدوثها منها وكونها عنها ، فغلط فيما رأى من موجوداتها ، وكان قليل المعرفة بمعلوماتها ، وإنه لما سمع الصوت من الجبل والبئر ، ظنّ بأنه أجابه بجوابه ورد عليه بكلامه إما من حيوان لا يراه وشيء لا يعاينه ، أو أن الجبل نطق بجوابه وقعر البئر ردّ كلامه . فهذا تخيّل من لا عقل له ولا معرفة عنده . فالصوت الذي يسمعه إنما هو صوته والحركة التي بدت منه في الهواء ، وذلك أنه صاح في سفح الجبل وقع البئر إلى جانب الحائط ، فخرج من جوف المتكلم شكل كرويّ ونقش عربيّ يأخذه الهواء إلى أن يؤدّيه إلى ذلك الموضع ، فيصادفه ما يمنعه من النفوذ والانتشار ، فيرتدّ راجعا ، فيسمع منه ذلك الصوت وهو الصّدى ، وسنأتي على شرح ذلك كما ينبغي في موضعه .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 98
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٩٨