كلام وأقاويل ، ومنها ما هي أعمال وحركات . وهذه الخصال الخمس تسمى خيرات وشرورا من وجهين : إما عقلية وإما وضعية . والوضعية منها هو كل شيء أمر به الناموس ، أو حثّ عليه أو مدحه ، فيسمى ذلك خيرا . وكل شيء نهى عنه أو زجر عنه يسمّى ذلك شرّا .
أما العقلية من هذه الخصال فهي كل شيء إذا فعل منه ما ينبغي على الشرائط التي تنبغي ، في المكان الذي ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، من أجل ما ينبغي ، يسمى ذلك خيرا . ومتى نقص من هذه الشرائط واحد يسمّى ذلك الأمر شرّا . ومعرفة هذه الشرائط ليس في وسع كل إنسان في أول مرتبته إلّا بعد ما تتهذب نفسه وتترقى في العلوم والآداب . ومن أجل هذا يحتاج كل إنسان إلى معلم ومؤدب أو أستاذ في تعلمه وتخلّقه وأقاويله واعتقاده وأعماله وصنائعه .
ثم اعلم أن أصحاب الناموس هم المعلمون والمؤدبون والأستاذون للبشر كلهم . ومعلّمو أصحاب النواميس هم الملائكة . ومعلم الملائكة هو النفس الكلية . ومعلمها العقل الفعال . واللّه تعالى معلّم الكل .
وإنما طوّلنا الخطاب في الكشف عن الخيرات والشرور ، لأن هذه المسألة من إحدى مسائل أمهات الخلاف بين العلماء ، المتشعّبة منهم الآراء والمذاهب الكثيرة ، كلّ ذلك لقلّة معرفة ، من يتكلم ، منها ، وهو لا يدري ما الخير - على الحقيقة - وما الشر ، وما السبب العارض .
وإذ قد تبين مما ذكرنا علل اختلاف العلماء في الآراء والحكمة ، وحدوث العالم وقدمه ، نريد أن نذكر أيضا طرفا من عبادة الأصنام التي هي أقدم الديانات وأغلبها من الكل .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 480
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٤٨٠