تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
المفسدة من الجسد ، وكيف تدفع تلك الأشياء عن جسدها ، إما بالفرار والانقباض عنها ، وإما بالقوة والجلادة والمجاهدة ، وإما بالحيلة والمداراة . ولو لم تفعل ذلك لهلكت الأجساد في أقرب مدة وأهون سعي قبل التمام والكمال . فإذا جاءتها المقادير والوقت المعلوم والأسباب الغالبة القاهرة ، فانظر كيف تسلّمها إليها ، وكيف تفارقها على غير اختيار منها . فأما ما دام له طمع في دفع تلك الآلام الواردة المؤذيات فهي في العلاج والجهاد ، رجاء للصلاح ، وحرصا على البقاء ، ومحبة على الوجود على أتم ما يمكن ، إذ كان هذا هو الخير ، وكراهية منها للفناء على هذا النقص ، إذ كان هو الشر ، لأن العدم المطلق ليس للأجسام ولا للنفوس ، ما دام العالم موجودا . فقد تبيّن من ذلك أن الآلام أيضا بقصد وعناية واقتضاء الحكمة .

فصل في بيان الشرور التي في جبلة الحيوانات المختلفة الصور والأشكال هي بالقصد الثاني

فنقول : أما الخيرات التي في جبلة الحيوانات وأخلاقها التي هي الإلف والمحبة ، والشرور التي هي العداوة والغلبة والقهر فهي أيضا بالقصد الثاني . وذلك أنه لما كانت الحيوانات مختلفة الصّور والأشكال والطباع والعادات والأخلاق والأفعال لأسباب يطول شرحها - وقد بيّنّا طرفا في رسالة العلل والمعلولات - جعل بين بعضها وبعض ألفة ومحبة ومودة ، لكيما يكون ذلك سببا لاجتماعها واتفاقها ، لما في ذلك من صلاح الكل والنفع على العموم . وجعل أيضا بين بعضها وبين بعض نفورا وعداوة ، ليكون سببا لتباعدها وتفرقها ، لما في ذلك أيضا من صلاح الكل والنفع على العموم . مثال ذلك إلف بعض الحيوانات للإنسان وانقيادها للطاعة ، كالبقر والغنم والخيل والبغال والحمير
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 478 | إخوان الصفاء