تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
البلاد ، ويصلح بها شأن العباد ، فإن عرض من ذلك أذيّة لبعض الحيوانات أو تلف النبات ، أو تحزنت به العجائز ، فليس ذلك بالقصد الأول . وعلى هذا القياس حكم جميع ما ينسب إلى نحوس الفلك من الأمور العارضة للحيوان والنبات والمعادن ومواليد الناس ، وما يحكم في تحاويل من السنين وأحكام القرانات وما شاكل ذلك ، وما ينسب إلى نحوس الفلك من الشرور والفساد جميعا عارضا بالقصد الأول . وأما الخيرات التي تنسب إلى الأمور الطبيعية فهي كون الحيوان والنبات والمعادن ، والأسباب المعينة لها على النشوء المبلغة إلى أتم حالاتها وأكمل نهاياتها ، فهي كلها بقصد من اللّه تعالى وعناية من تفضّله وإنعامه . وأما الشرور التي هي الفساد والبلى الذي يلحقها بعد الكون والفساد ، والأسباب التي تعوقها عن البلوغ إلى التمام والكمال ، فهي عارض لا بالقصد الأول ولكن بالقصد الثاني ، وذلك أن هذه الكائنات التي هي دون فلك القمر ، لما لم يكن أن تبقى أشخاصها في الهيولى دائما في هذا العالم ، تلطفت الحكمة الإلهية والعناية الربّانية أن يكون بقاؤها بصورها ، وإن كانت الأشخاص في الذّوبان والسيلان دائما . والمثال في ذلك صورة الإنسانية التي هي خليفة اللّه في أرضه فإنها باقية منذ خلق اللّه تعالى آدم أبا البشر إلى يوم القيامة ، وإن كانت الأشخاص في الذهاب والمجيء ، فهكذا حكم سائر الحيوانات والنبات والمعادن ، وأنواعها باقية بصورها ، وإن كانت الأشخاص في السيلان والذوبان . وإنما كان ذلك بواجب الحكمة ، لأن في القوة فضائل وخيرات بلا نهاية لا يمكن خروجها من القوّة إلى الفعل ، والظهور دفعة واحدة في وقت واحد ، لأن الهيولى لا تتسع لقبولها الأشياء شيئا بعد شيء على التدرّج وممرّ الأوقات والزمان دائما أبدا . والمثال في ذلك أنه لو خلق اللّه بني آدم كلهم ، من مضى منهم ومن هو موجود الآن ، ومن يحيا من بعد إلى يوم القيامة في وقت واحد ، لم تكن تسعهم الأرض برحبها ، فكيف حيوانهم