فصل في بيان كمية أنواع الخيرات والشرور في هذا العالم
فنقول : اعلم أن الخير والشر على أربعة أنواع : فمنها ما ينسب إلى سعود الفلك ونحوسه . ومنها ما ينسب إلى الأمور الطبيعية من الكون والفساد وما يلحق الحيوانات من الآلام والأوجاع . ومنها ما ينسب إلى ما في جبلة الحيوانات من التآلف والتنافر والمودّة والتباغض ، وما في طباعها من التنازع والتغالب . ومنها ما ينسب إلى ما يلحق النفوس التي تحت الأمر والنهي في أحكام النفوس من السعادة والمنحسة في الدنيا والآخرة جميعا .
ثم اعلم أن لهذه الأنواع من الخيرات والشرور التي ذكرناها أسبابا وعللا يطول شرحها ، وقد ذكرنا طرفا في رسالة العلل والمعلولات ، ولكن نذكر في هذا الفصل منها ما لا بد منه فنقول : إن الخيرات التي تنسب إلى سعود الفلك هي بعناية من اللّه تعالى وقصد منه لا شك فيه . وأما الشرور التي تنسب إلى نحوس الفلك فهو عارض لا بالقصد . مثال ذلك إشراق الشمس وطلوعها على بعض البقاع تارة ، وتسخينها الماء مدة ، ومغيبها عنها تارة أخرى كيما تبرد تلك البقاع مدّة ما ، فهو بعناية من اللّه تعالى وواجب حكمته ، لما فيه من الصلاح والنفع للعموم كما قال تعالى :
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ »
وقال :
« وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. وإنما ذكر اللّه تعالى إنعامه على عباده ، وإحسانه إليهم وإفضاله عليهم .
فأما التي تعرض لبعض الحيوانات ولبعض النبات من الحر المفرط والبرد المتلف في بعض الأوقات وفي بعض الأحايين وفي بعض البقاع ، فليس ذلك بالقصد الأول . وهكذا أيضا حكم الأمطار فإنما يرسلها لكيما يحيي بها