تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧

فصل في بيان مناقب العقلاء والآفات العارضة للعقول

فنقول : اعلم أن هؤلاء القوم لم يرتابوا ولم يضلّوا من قلة العقل ، ولا رداءة التمييز ، ولا من ترك النظر ، ولكن من الآفات العارضة للعقول ، وذلك أن العقل ، وإن كانت له مناقب كثيرة ، فإن له أيضا آفات كثيرة تعرض لها ، وقد ذكرنا طرفا منها في رسالة الأخلاق ، ولكن لا بد أن نذكر في هذا الفصل طرفا منها فنقول : أولا ما العقل الإنساني ؟ وذلك أن العقل الإنساني ليس هو شيئا سوى النفس الناطقة ، إذا هو كبر وشاخ بعد أيام الصبا ، وذلك أن النفس يوم ربطت بالجسد ، أعني الجنين في الرّحم ، كانت ساذجة ، لا علم لها من العلوم ، ولا خلق من الأخلاق ، ولا رأي ولا مذهب ، ولا تدبير ولا سياسة ، ولا رياضة في أدب ، كما ذكر اللّه تعالى :
« وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً »
وإنما كانت جوهرة روحانيّة حيّة بالذات ، علّامة بالقوّة ، فعّالة بالطبع . فإذا حصلت فيها رسوم المحسوسات التي تسمّى أنواعا وأجناسا مصوّرة بعد غيبة المحسوسات عن مشاهدة الحواس لها ، فميزتها وتأملتها ونظرت فيها وعرفت أعيانها ومنافعها ومضارّها ، وجربتها واعتبرتها ، سمّيت عند ذلك عاقلة علّامة بالفعل ، كما بيّنّا في رسالة الحاس والمحسوس . فأما مناقب العقل وأفعاله فكثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه الواحد القهار ، وقد ذكرنا طرفا في رسالة العقليات وشرحا ، ولكن نريد أن نشير إليها في هذا الفصل إشارة فنقول : إن جميع الأفعال البشرية المحكمة ، وجميع الآراء والمذاهب المختلفة العقلية والوضعية ، من أفعال العقل الإنساني ، لكن له ، مع هذه الفضائل والمناقب كلها ، آفات عارضة كثيرة ، فمن تلك الآفات الهوى الغالب نحو شيء ما ، والعجب المفرط من المرء برأي نفسه ، والكبر