تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
ثم اعلم أن الهيولى وحقيقتها هو جوهر ساذج ، لا كيفيّة له ، ولا النقش ، ولا الصورة ، ولا الأشكال ، ولا الأصباغ ، ولا الأعراض ، بل هو متهيّئ لقبولها ، ولا يقبلها إلّا بقصد قاصد وجعل جاعل . مثال ذلك الخشب فإنه متهيئ لقبول صورة الألواح ، والسرير والكرسي والباب وغيرها ، ولكن بقصد من النجّار وعناية منه . وهكذا قطعة من حديد فإنها لا تقبل الصورة إلّا بعد قصد قاصد من الحدّاد ، وكذلك سائر الهيوليّات الموضوعة في سائر الصنائع البشرية . وهكذا أيضا الهيولى الطبيعية التي هي الأركان الأربعة التي لا تجمع ، ولا يكون منها المعدن والنبات والحيوان إلّا بقسر قاسر أو صنع صانع . والعلة الفاعلة لها هي قوّة من قوى النفس الكليّة الفلكيّة بإذن اللّه تعالى . وهكذا الجسم المطلق الذي هو جوهر طويل عريض عميق حسب ، لا يصبر على الأشكال كريّات مدوّرات بعضها ببعض ، وبعضها كواكب صغار وكبار ، وبعضها أركان مختلفة الطبائع من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وخفيف وثقيل ، ولطيف وغليظ ؛ وبعضها متحرّك ، وبعضها ساكن ، وبعضها أسرع حركة ، وبعضها أبطأ حركة ، وما شاكل هذه الحالات التي هي موجودة عليها إلّا بقصد قاصد وجعل جاعل ، وهو اللّه العزيز الغفار الواحد القهار تعالى وتقدّس . وكفى بهذا دليلا وبيانا وحجّة للعقول الغريزية على أن العالم مصنوع ، والمصنوع يقتضي الصانع ، وهذه قضيّة موجبة في أوائل العقول ، بيّنة ظاهرة جليّة لا تخفى على كل عاقل متأمّل ، سليم القلب والعقل من الآفات العارضة ، وإن لم يعلم من عمله ، ومتى عمله ، وكيف عمله ، ولم عمله . فأما النظر في أمر الهيولى والدليل والحجّة على حدوثه ، فيحتاج إلى نظر أدق من هذا ، وبحث أشدّ ، وتأمّل أجود ، وتمييز ألطف ، كما بيّنّا في رسالة المبادي العقليّة .