تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
تخفى عليه خافية ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة ، وإن له ملائكة هم خالص عباده ، وصفوة بريّته ، نصبهم لحفظ عالمه ، ووكّلهم بتدبير خلائقه ، لا يعصونه طرفة عين مما نهاهم عنه ، ويفعلون ما يؤمرون . وإن له خواصّ من بني آدم اصطفاهم وقرّبهم ، وجعلهم وسائط بين الملائكة وبين خلقه من الجنّ والإنس ، وسفراء له ؛ وإنه أمر عباده بأشياء ، إذا فعلوها ، فهو خير لهم وأنفع للجميع . ونهاهم عن أشياء ، إن لم ينتهوا عنها ، صرفهم عن الأنفع ، وفاتهم الأفضل . وإنه لم يأمرهم شيئا لا يطيقونه ، ولا يفعلون شيئا مما هو لا يعلمه ، وإنهم قاصدون نحوه ، متوجّهون إليه منذ يوم خلقهم ينقلهم حالا بعد حال ، من الأنقص إلى الأتمّ ، ومن الأدون إلى الأكمل ، ومن الأدنى إلى الأفضل ، إلى يوم يلقونه ويشاهدونه فيوفّيهم حسابه . ثم اعلم أنه ليس إلى معرفة هذا الرأي سبيل ، وإلى هذا الذي ذكرنا ، وحقيقة ما وصفنا ، طريق إلّا شيئان اثنان : أحدهما الاستبصار والمشاهدة بعين البصيرة واليقين ، بالقلب الصّافي من الشوائب للنفس الزكيّة النقيّة من الذنب ، بعد تأمّل شديد للمحسوسات ، ودقّة نظر في المعقولات ، ودراية بالرياضيات ، وبحث عن القياسات ، كما فعلت القدماء الحكماء الموحّدون الرّبّانيون ؛ وإقرار باللسان ، وإيمان بالقلب ، وتسليم بالقول كإقرار الملائكة بها إلهاما وتأييدا ، وكإقرار الأنبياء للملائكة وحيا وإنباء ، أو كإقرار المؤمنين للأنبياء إيمانا وتسليما ، وكإقرار العامّة والأتباع للخواصّ والعلماء تقليدا وقولا ، أو كإقرار الصّبيان للآباء والمعلمين تعليما وتلقينا . فهذا الذي ذكرناه هو أحد أركان الدين وهو الاعتقاد الصحيح . وأما الرّكن الآخر الذي هو الطاعة فهو الانقياد من المأمورين والمرءوسين للآمرين الناهين . ثم اعلم أن الأوامر والنواهي تختلف بحسب مراتب الآمرين والمأمورين في أحوالهم . فمن ذلك طاعة الأولاد للآباء والأمّهات فيما يأمرونهم به مما فيه