تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وما في الأرض أشقى من محبّ ، * وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا ، في كل حين ، * مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي ، إن نأى ، شوقا إليه ، * ويبكي ، إن دنا ، خوف الفراق
فنسخن عينه عند التنائي ، * وتسخن عينه عند التلاقي

فصل

ثم اعلم أن من ابتلي بعشق شخص من الأشخاص ، ومرّت به تلك المحن والأهوال ، وعرضت تلك الأحوال ، ثم لم تنتبه نفسه من نوم غفلتها ، فيتسلى ويفيق ؛ أو نسي وابتلي من بعد بعشق ثان لشخص آخر ، فإن نفسه نفس غريقة في عمائها ، سكرى في جهالتها كما قيل :
تسلّت عمايات الرجال عن الصبا * وما إن أرى عنك الغواية تنجلي « 1 »
ثم اعلم أن في الناس خواصّ وعوامّ ، فالعوام من الناس هم الذين إذا رأوا مصنوعا حسنا ، أو شخصا مزيّنا ، تشوّقت نفوسهم إلى النظر إليه ، والقرب منه ، والتأمّل له . وأما الخواصّ فهم الحكماء الذين إذا رأوا صنعة محكمة ، أو شخصا مزيّنا ، تشوّقت نفوسهم إلى صانعها الحكيم ومبدئها العليم ، ومصوّرها الرحيم ، وتعلقت به ، وارتاحت إليه ، واجتهدوا في التشبه به في صنائعهم ، والاقتداء به في أفعالهم ، قولا وفعلا ، وعلما وعملا . ثم اعلم أن النفوس الناقصة تكون قصيرة الهمم ، لا تحب إلّا زينة الحياة الدنيا ، ولا تتمنى إلّا الخلود فيها ، لأنها لا تعرف غيرها ، ولا تتصوّر سواها . فأما النفس الشريفة المرتاضة فهي تأنف من الرغبة في الدنيا ، بل تزهد فيها ، وتريد الآخرة وترغب فيها ، وتتمنى اللّحوق بأبناء جنسها وأشكالها من
هامش
( 1 ) البيت لامرئ القيس من معلقته .