تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
معدوم من درك الحس له ، ومعدوم من تصوّر العقل ، ومعدوم من إقامة البرهان عليه . وأما علم الباري ، جل ثناؤه ، بالأشياء فليس من هذه الطرق الثلاث ، بل أشرف وأعلى من هذه كلها ، وذلك أنه لا يقال للباري سبحانه إنه واجد للأشياء ، بل يقال إنه موجد ومحدث ومخترع ومبدع ومبق ومتمّم ومكمّل . واعلم أيها الأخ أنما علم الإنسان بالباري ، عز وجل ، ووجدانه له بإحدى طريقتين : إحداهما عموم والأخرى خصوص . فالعموم هي المعرفة الغريزية التي في طباع الخليقة أجمع بهويّته ؛ وذلك أن الناس كلهم : العالم والجاهل ، والخيّر والشرير ، والمؤمن والكافر ، كلّهم يفزعون عند الشدائد إلى اللّه ، ويستغيثون به ، ويتضرعون إليه ، حتى البهائم أيضا في سني الجدب ترفع رءوسها إلى السماء تطلب الغيث ، فهذا العلم منهم يدلّ على معرفتهم بهويّته . وأما معرفة الخصوص فهي بالوصف له والتجريد والتنزيه والتوحيد ، وهي التي بطرق البرهان ، ويختص بها فضلاء الناس وهم الأنبياء والأولياء والحكماء والأخيار والأبرار ، كما وصفهم فقال في محكم تنزيله :
« سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ »
وهي معرفة ضرورية . واعلم يا أخي بأن الموجودات كلّها التي أوجدها الباري ، سبحانه وتعالى ، بأيّ طريق كان وجدانها ليست تخلو من أن تكون جواهر أو أعراضا أو مجموعا منهما ، هيولى أو صورة أو مركّبا منهما ، عللا أو معلولات أو مشارا إليهما ، جسمانيّا أو روحانيّا أو مقرونا بينهما ، بسيطا أو مركّبا أو جملتهما . ولما كانت هذه الأقسام محتوية على الموجودات كلّها احتجنا أن نبيّن نفس معاني هذه الألفاظ الغامضة التي تاه فيها أكثر العلماء عن الوقوف على حقائق معانيها . واعلم يا أخي بأن الموجودات كلّها صور وأعيان غيريّات أفاضها
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 233 | إخوان الصفاء