تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
انتبهت من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ونظرت بعين البصيرة إلى نور العقل ، واستضاءت بضيائه ، وتجمّلت ببهائه . واعلم يا أخي أن العقل اسم مشترك يقال على معنيين : أحدهما ما تشير به الفلاسفة إلى أنه أول موجود اخترعه الباري ، جلّ وعز ، وهو جوهر بسيط روحاني محيط بالأشياء كلّها إحاطة روحانية . والمعنى الآخر ما يشير به جمهور الناس إلى أنه قوة من قوى النفس الإنسانية التي فعلها التفكّر والرويّة والنّطق والتمييز والصنائع وما شاكلها . فنريد أن نتكلم في هذه القوة ، ونبيّن أقسامها ، ونصف أفعالها وكيفيّة إدراكها صور المعلومات في ذاتها وجوهرها . واعلم يا أخي أنه لما كان العقل الذي نحن في ذكره قوة من قوى النفس الإنسانية هي أيضا قوة من قوى النفس الكلية ، والنفس الكلية هي فيض فاض من العقل الكلي الذي هو أول فيض فاض من الباري ، جلّ وعز ، وهي كلّها تسمّى موجودات أولية ، احتجنا أن نذكر أولا أقسام الموجودات وما معنى الموجود ، ومعنى الوجود والعدم ، وطرق العلم بها . واعلم يا أخي أن لفظة الموجود مشتقة من وجد يجد وجدانا فهو واجد ، وذاك موجود . فالموجود يقتضي الواجد لأنهما من جنس المضاف . وقد بيّنّا معنى جنس المضاف في رسالة المنطق . واعلم أن كل واجد من البشر شيئا - إذا وجد شيئا - فإن وجدانه له لا يخلو من إحدى الطّرق الثلاث : إما بإحدى القوى الحساسة ، كما بيّنّا في رسالة الحاس ؛ وإمّا بإحدى القوى العقلية التي هي الفكرة والرويّة والتمييز والفهم والوهم الصادق والذّهن الصافي ؛ وإما بطريق البرهان الضّروري كما بيّنا في رسالة البراهين التي هي طريق الاستدلال ، وليس إلى الإنسان طريق إلى المعلومات غير هذه . وأما معنى العدم فهو ما يقابل كلّ نوع من هذه الطرق الثلاث : فيقال