فصل
ثم اعلم أنه ليس في كثرة الأكل افتخار ولا يحتاج من الأكل والشرب إلّا إلى مقدار ما يسكّن الجوع والعطش . فإذا سكن ذلك كان سكونه بألوان من المأكولات أو بكسرة من خبز الشعير ، أو بشرب الماء القراح كما قال عيسى ، عليه السلام ، للحواريين : « إن أكل خبز الشعير ، وشرب الماء القراح اليوم في الدنيا لكثير لمن يريد أن يدخل الفردوس غدا . » ثم إن الافتخار والثناء ينبغي أن يكون في اقتناء الفضائل الحكمية ، وفي الاستضاءة بنور العلم ، والاستبصار بالآيات والدلالات على معرفة حقائق الأشياء ، والحكمة والتألّه والزّهد والتصوّف ، ولزوم مذاهب الرّبانيين ، والتهاون بأمر الجسد ، والاهتمام بأمر النفس ، والحرص على خلاصها من ظلمة الجهالة ، واستنقاذها من بحر الهيولى ، وعتقها من أسر الطبيعة ، والخروج من قعر الأجسام ، والصعود إلى عالم الأرواح ، والدخول في زمر الملائكة كما ذكر اللّه تعالى :
« إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »
يعني به روح المؤمنين . وقال :
« إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ »
وقال :
« إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ »
يعني به أنفس الأبرار . وقال :
« حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ »
وقال :
« وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ »
.
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن الجسد إذا خرج من الرحم سالما من الآفات العارضة ، صحيح الحواس ، وقوي بدن الطفل ، استتبّت وانبسطت قوى النفس في الجسد ، وباشرت القوى الحساسة ذوات المحسوسات ، وأدركتها على هيئتها ؛ ثم أدّت رسومها إلى القوى المتخيلة التي في مقدّم الدماغ ، وأدتها المتخيّلة إلى القوة المتفكرة . ثم إذا غابت المحسوسات عن مشاهدة