تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
لأرواحهم ، لا لقياسات منطقية ولا برياضات حكمية مثل الأدوية الشافية والعقاقير النافعة يدرون سبب شفائها وخاصيّة منفعتها . ثم اعلم أن من سنّة الناموس والآداب الحسنة تناول الطعام الذي هو غذاء الجسد بثلاثة أصابع ، فهذه السّنّة كأنها إشارة من واضع الناموس للنفوس والتنبيه لها والحثّ على أنه واجب طلب العلوم من ثلاث طرقات ، لأن العلم غذاء النفس ، كما أن الطعام غذاء الجسد . وأحوال النفس مماثلة لأحوال الجسد لشدة اقتران ما بينهما . فأحد الطرق التي تنال بها النفس العلوم قوّة الفكر الذي تدرك به النفس الموجودات المعقولات . ومن هذا الطريق أخذت الأنبياء ، عليهم السلام ، الوحي من الملائكة . والطريق الآخر السمع الذي تقبل به النفس معاني اللغات ، وما تدلّ عليه الأصوات من الأخبار الغائبة . والآخر طريق النظر الذي به تشاهد النفوس الموجودات الحاضرة . فهذه الثلاث الطرقات يجب أن تتناول العلوم بها كما بينّا وكما نبّهنا اللّه ، عزّ وجلّ ، وقال :
« جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ »
وذمّ من لا ينتفع بالنّعم فقال :
« لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ »
وقال :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ »
فهم صمّ عن الحقائق ، بكم عن الدقائق ، عمي عن المبصرات المعنوية العقلية بعين القلب . وليس يريد بهذا الذمّ بحيث أنهم لا يسمعون الأصوات ، ولا يبصرون الألوان ، ولا يعرفون ولا يفقهون أمر المعاش ، بل إنما ذمّهم بحيث أنهم لا يعقلون أمر المعاد كما قال تعالى :
« يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ »
. واعلم أن العلم قنية للنفس كما أن المال قنية للجسد ، لأن المال يراد لصلاح أمر الجسد ، والعلم يراد لصلاح أمر النفس . فمتى لم تنل النفس العلم من هذه الطرقات الثلاث ، وذلك تناوله بثلاثة أصابع ، إلّا من طريقة واحدة أي بإصبع واحد ، فمثله كمثل المريض الذي ليس له حظّ من ماله إلّا الثّلث ، لأن