تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
فقال المستبصر الفارسي : نعم أيها الملك ، ليس ذلك من جهة الدين ، لأن الدين لا إكراه فيه ، ولكن من جهة سنّة الدين الذي هو الملك . قال : وكيف ذلك ؟ بيّنه لي . قال : إن الدين والملك أخوان توأمان لا يفترقان ، ولا قوام لأحدهما إلا بأخيه ، غير أن الدين هو الأخ المقدّم والملك هو الأخ المؤخّر المعقّب له ، فلا بد للملك من دين يدين به الناس ، ولا بد للدين من ملك يأمر الناس بإقامة سنته طوعا أو كرها . فلهذه العلّة يقتل أهل الديانات بعضهم بعضا ، طلبا للملك والرئاسة . كل واحد يريد انقياد الناس أجمع لسنّة دينه وأحكام شريعته . وأنا أخبر الملك ، وفقه اللّه لفهم الحقائق ، وأذكّره بشيء يقين لا شك فيه . قال الملك : وما هو ؟ قال : إن قتل الأنفس سنّة في جميع الديانات والملل والدول كلها ، غير أن قتل النفس في سنّة الدين ، وهو أن يقتل طالب الدين نفسه ، وفي سنّة الملك أن يقتل طالب الملك غيره . فقال الملك : أما قتل الملوك غيرها في طلب الملك فبيّن ظاهر . وأما قتل طالب الدين نفسه في سائر الديانات فكيف هو ؟ قال : نعم ، ألا ترى أيها الملك أن ذلك سنة دين الإسلام كيف هو بيّن ظاهر ، وذلك قول اللّه تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ »
. ثم قال :
« فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ »
. وقال :
« يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ »
. وقال :
« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا »
. وقال في سنة التوراة :
« فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ »
. وقال المسيح ، عليه السلام ، في الإنجيل :
« مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ، قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ .
فقال : استعدوا للقتل والصلب إن كنتم تريدون أن تنصروني