بالغيب ، ويرجف به من غير معرفة صحيحة ، ودلائل عقلية واضحة ، وبراهين مثبتة ، فيقول : بعد كذا وكذا شهرا ، وكذا وكذا سنة ، في بلد كذا وكذا ، يكون كيت وكيت ، وهو جاهل لا يدري أيّ شيء يكون في بلده وقومه وجيرانه ، وأي شيء يكون ويحدث عليه في نفسه ، أو في ماله ، أو في أولاده ، أو غلمانه ، أو من يهمّه أمرهم ، وإنما يرجم بالغيب في مكان بعيد ، أو في زمان طويل ، لئلا يقع عليه الاعتبار ، ويتبين صدقه وكذبه وتمويهه ومخرقته .
ثم اعلم ، أيها الإنسي ، أنه لا يغتر بقول المنجّم إلا الطّغاة والبغاة من الملوك والجبابرة منكم ، والفراعنة والنماردة والمغرورون بعاجل شهواتها ، المنكرون أمر الآخر ودار المعاد ، الجاهلون بالعلم السابق والقدر المحتوم ، مثل نمرود الجبّار ، وفرعون ذي الأوتاد ، وثمود وعاد الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد من قتل الأطفال . يقول المنجمون الذين لا يعرفون خالق النجوم ومدبّرها ، بل يظنون ويتوهمون أن أمور الدنيا تدبّرها الكواكب السبعة والبروج الاثنا عشر ، ولا يعرفون المدبّر الذي فوق الكل الذي هو رب الأرباب ، ومسبّب الأسباب ، ومالك يوم الدين ، وقد أراهم اللّه قدرته مرة بعد أخرى ، ونفاذ أوامره ومشيئته في دفعات . وذلك أن نمرود الجبار أخبره المنجمون بمولود في مملكته في سنة من السنين بدلائل القرانات ، وأنه يتربّى ويكون له شأن عظيم ويخالف دين عبدة الأصنام . فقال لهم : في أي بيت يكون ، وفي أي موضع يتربّى ، وفي أي يوم يولد ؟
فلم يدروا ، ولكن أشار وزراؤه وجلساؤه بأن يقتل كل مولود يولد في تلك السنة ليكون هو في جملة من قد قتل ، وظنوا أن ذلك يمكن ، وذلك لجهلهم بالعلم السابق والقضاء المحتمّ والمقدور الواقع الذي لا بد أن يكون .
ففعل ما أشاروا به عليه فيما وقع . وخلّص اللّه تعالى إبراهيم خليله من كيدهم ، ونجاه من حيلتهم وما دبروا من مكرهم .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 350
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٥٠