معلّقا في الهواء تحت السقوف من الطين ، من غير حاجة إلى سلّم يرتقي عليه ، أو راقود يحمل الطين عليه ، أو عمود يسند بيته إليه . ولا يحتاج إلى آلة من الآلات أو الأدوات . وإذا عميت أولادها ، تحمل من الطين حشيشة تسمى الماميراف ، تحكّ بها عين الأولاد ، فيضيء بصرها . كل ذلك تعليم من اللّه تعالى لا من البشر ، وأنتم محتاجون إلى الأستاذين والمعلمين في أدنى صنعة ، وأخسّ عمل ، وأنتم من تلقاء أنفسكم لا تقدرون على عمل من غير تعلّم مدة من الزمان .
وهكذا أيضا الأرضة « 1 » ، وهي من الهوامّ ، تبني على أنفسها بيوتا من الطين الصّرف شبه الأزج « 2 » والأزقة ، من غير أن تجمع التراب ، أو تبلّ الطين ، أو تستسقي الماء . فقولوا ، أيها الحكماء ، من أين لها ذلك الطين ، ومن أين تجمعه ، وكيف تحمله ، إن كنتم تعلمون .
وعلى هذا المثال حكم أجناس الطيور والحيوانات في اتخاذها المنازل والأوكار والأعشاش وتربية أولادها تجدها أحذق وأعلم وأحكم من عمل الإنس . فمن ذلك تربية النعامة ، وهي مركّبة من طائر وبهيمة ، لفراريخها ، وذلك أنها إذا جمعت لها بيضا عشرين أو ثلاثين أو أربعين ، قسمتها ثلاثة أقسام ، منها ما تدفنه في التراب ، وثلثا تتركه في الشمس ، وثلثا تحضنه . فإذا خرجت فراريخها ، كسرت ما كان في الشمس وسقتها ما كان فيها من تلك الرطوبات التي فيها مما ذوّبتها الشمس ورقّقتها . فإذا اشتدّت فراريخها وقويت ، أخرجت المدفون منها ، وفتحت لها ثقبا كي يجتمع فيه الذباب والبق والهوام والنمل والحشرات ، ثم تطعمها فراريخها ، حتى إذا قويت عدت ولعبت ورعت .
فقل أيها الإنسي : أي نسائكم تحسن مثل هذا في تربية أولادها ، إن لم تكن
هامش
( 1 ) الأرضة : دويبة تأكل الخشب .
( 2 ) الأزج : البيت يبنى طولا .