393 إنّ من البيان لسحرا
وحكى الحسن بن محمّد ، قال : قال أحمد بن أبي دؤاد :
ما رأيت رجلا قط نزل به الموت ، وعاينه ، فما أدهشه ، ولا أذهله ، ولا أشغله عمّا كان أراده ، وأحبّ أن يفعله ، حتى بلغه ، وخلّصه اللّه تعالى من القتل ، إلّا تميم بن جميل الخارجيّ « 1 » ، فإنّه كان تغلّب على شاطىء الفرات ، فأخذ ، وأتي به إلى المعتصم باللّه .
فرأيته بين يديه ، وقد بسط له النطع والسيف « 2 » ، فجعل تميم ينظر إليهما ، وجعل المعتصم يصعّد النظر فيه ، ويصوّبه .
وكان تميم رجلا جميلا ، وسيما ، جسيما ، فأراد المعتصم أن يستنطقه ، لينظر أين جنانه « 3 » ولسانه ، من منظره ومخبره .
فقال له المعتصم : يا تميم ، تكلّم ، إن كان لك حجّة أو عذر فابده .
فقال : أمّا إذ أذن أمير المؤمنين بالكلام ، فأقول : الحمد للّه الذي أحسن كلّ شيء خلقه ، وقد خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، يا أمير المؤمنين ، جبر اللّه بك صدع الدين ، ولمّ شعث المسلمين ، وأخمد بك شهاب الباطل ، وأوضح نهج الحق ، إنّ الذنوب تخرس الألسنة ، وتعمي الأفئدة ، وأيم اللّه ، لقد عظمت الجريرة « 4 » ، وانقطعت الحجّة ، وكبر الجرم ،
هامش
( 1 ) في المستجاد ص 117 : تميم بن جميل السدوسي ، الخارجي .
( 2 ) في المستجاد : ورأيته قد جيء به أسيرا ، فأدخل عليه في يوم موكب ، وقد جلس المعتصم للناس مجلسا عامّا ، ودعا بالسيف والنطع .
( 3 ) الجنان من كل شيء : جوفه ، وجنان المرء : قلبه .
( 4 ) الجريرة : الذنب والجناية .