فقال : هيهات ، هيهات ، أصبح - واللّه - أبو المسهر ، لا ميؤوس منه فيهمل ، ولا مرجو فيعلّل ، أصبح - واللّه - كما قال القائل :
لعمري ما حبّي لأسماء تاركي * أعيش ولا أقضي به فأموت
فقلت : ما الذي به ؟
فقال : مثل الذي بك ، من تهتّككما « 5 » في الضلال ، وجرّكما أذيال الخسار ، كأنّكما لم تسمعا بجنّة ولا نار .
فقلت : ومن أنت منه ، يا ابن أخي ؟
قال : أخوه .
فقلت له : يا ابن أخي ، ما منعك أن تسلك مسلكه من الأدب ، وأن تركب منه مركبه [ إلّا أنّك وإيّاه كالبجاد والبرد ، لا ترقعه ولا يرقعك ] « 6 » .
ثم صرفت وجه ناقتي ، وأنا أقول :
أرائحة حجّاج عذرة وجهة * ولمّا يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى * متى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع
ألا ليت شعري أيّ شيء أصابه * فلي زفرات هجن ما بين أضلعي
فلا يبعدنك اللّه خلّا فإنّني * سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي
ثم انطلقت حتى وقفت موقفا من عرفات ، فبينا أنا كذلك ، وإذا بإنسان قد تغيّر [ 319 غ ] لونه ، وساءت هيأته ، فأدنى ناقته من ناقتي ، ثم خالف بين أعناقهما ، وعانقني وبكى ، حتى اشتدّ بكاؤه .
فقلت : ما وراءك ؟
فقال : برح العذل ، وطول المطل ، ثم أنشأ يقول :
هامش
( 5 ) في الأغاني 11 / 170 : من تهوّركما .
( 6 ) الزيادة من غ ، ومن الأغاني 11 / 170 .