ثم شهقت فكادت تتلف ، وارتفع لها بكاء عظيم ، وصعقت أنا ، فتبرّم بي الملّاحون ، وقالوا : كيف حملنا هذا المجنون معنا .
فقال بعضهم : إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه .
فجاءني أمر عظيم ، أعظم من كلّ شيء دفعت إليه ، ووضعت في نفسي التصبّر ، والحيلة في أن أعلمها بمكاني من الزّلال ، لتمنع من إخراجي .
وبلغنا إلى قرب المدائن ، فقال صاحب الزلّال : اصعدوا بنا إلى الشطّ [ 268 ر ] ، فطرحوا إلى الشطّ ، وخرج الجماعة ، وقد كان المساء قد قرب ، وصعد أكثر الملّاحين يتغوّطون « 7 » ، فخلا [ 293 غ ] الزلّال ، وكان الجواري فيمن صعد إلى مستراح ضرب لهنّ .
فمضيت سارقا نفسي حتى صرت خلف الستارة ، فغيّرت طريقة العود عمّا كانت عليه ، إلى طريقة أخرى ، ورجعت إلى موضعي من الزلّال .
وفرغ القوم من حاجاتهم في الشطّ ، ودفعوا « 8 » والقمر منبسط .
فقالوا لها : باللّه ياستّي غنّينا شيئا ، ولا تنغّصي علينا عيشنا .
فأخذت العود فجسّته ، فشهقت شهقة كادت تتلف ، وقالت : واللّه ، قد أصلح هذا العود مولاي ، على طريقة من الضرب كان بها معجبا ، وكان يضربها معي ، وو اللّه إنّه معنا في الزلّال .
فقال لها صاحبها : واللّه ، لو كان معنا ما امتنعنا من عشرته ، فلعلّه أن يخفّ بعض ما بك ، فننتفع بغنائك .
فقالت : ما أدري ما تقولون ، هو - واللّه - معنا .
هامش
( 7 ) الغائط : الموضع المنخفض من الأرض ، ولمّا كان الاعرابيّ إذا أراد قضاء حاجته قصد الموضع المنخفض ، فقد كني عن قضاء الحاجة ، بكلمة التغوّط أو الذهاب للغائط ، وما زال القرويّون في وسط العراق وجنوبه ، يكنّون عمّن ذهب لقضاء حاجته ، بقولهم : راح للوهاد ، جمع وهدة ، وهي الموضع المنخفض .
( 8 ) دفعوا : يعني حرّكوا السفينة للمسير ، ما زال مستعملا في بغداد .