فاستحسن البقّال خطّي ، ورأى رثاثة زيّي « 11 » ، فسألني عن أمري ، فأخبرته أنّي رجل ممتحن « 12 » فقير ، قد تعذّر عليّ التصرّف ، وما بقي معي شيء ، ولم أشرح له أكثر من هذا .
فقال لي : تعمل معي كلّ يوم بنصف درهم ، وطعامك وكسوتك عليّ ، وتضبط حساب دكّاني ؟
فقلت : نعم .
فقال : اصعد .
فخرقت الرقعة ، وصعدت ، فجلست معه ، أدّبر أمره ، وضبطت دخله وخرجه ، وكان غلمانه يسرقونه ، فأدّيت له الأمانة .
فلمّا كان بعد شهر ، رأى الرجل دخله زائدا ، وخرجه ناقصا ، فحمدني .
وبقيت معه كذلك شهرا آخر ، ثم جعل رزقي في كلّ يوم درهما .
ولم يزل حالي معه يقوى ، إلى أن حال الحول ، وقد بان له الصلاح في أمره ، فدعاني إلى أن أتزوّج بابنته ، ويشاركني ، ففعلت .
ودخلت بزوجتي ، ولزمت الدكّان ، وحالي يقوى ، إلّا أنّني في خلال ذلك ، منكسر النفس « 13 » ، ميّت النشاط ، ظاهر الحزن .
وكان البقّال ربما شرب فيجرّني إلى مساعدته ، فأمتنع ، وأظهر له أنّ ذلك بسبب حزني على موتى لي .
واستمرّت بي الحال على هذا سنتين وأكثر .
فلمّا كان في بعض الأيّام ، رأيت الناس يجتازون بفاكهة ، ولحم ، ونبيذ ، اجتيازا متّصلا ، فسألت عن ذلك ؟
هامش
( 11 ) في غ : ورآني ببزّة حسنة .
( 12 ) الممتحن : المصاب بالمحنة أي البليّة .
( 13 ) في غ : منكسر القلب .