فجنّني الليل ، واستنفذ المشي جلدي ، واستوحشت ، وخفت الوحوش في الجبل ، فطلبت موضعا أسكن فيه ليلتي ، فلم أجد .
ورأيت جبابا كثيرة منقورة في أرض الجبل ، فطلبت أقربها قعرا ، ورميت فيه حجرا ، فظننت أنّ قعره قامة أو نحوها ، فرميت بنفسي فيه .
وكان البرد شديدا ، فنمت ليلتي وأنا لا أعقل من التعب والجوع .
فلمّا كان من الغد ، انتبهت ، وعندي أنّ الجب محفور كالآبار ، وأنّي أضع رجليّ في جوانبه ، فأتسلّق وأطلع ، فتأمّلته ، فإذا [ هو محفور كالتّنور ، رأسه ضيّق ، وأسفله واسع شديد السعة ، وجوانبه منقوشة ، فقمت في الجبّ ] « 4 » فإذا هو أعلى من قامتي .
فتحيّرت في أمري ، فلم أدر كيف أعمل ، وكيف السبيل إلى الصعود .
وطلعت الشمس ، وأضاء الجبّ ، فإذا فيه أفعى مدوّر كالطبق وقد سدر « 5 » من البرد ، فليس ينتشر ، ولم يتحرّك من مكانه ، فتجنّبت مكانه .
وهممت أن أجرّد السيف وأقطع الأفعى ، ثم قلت : أتعجّل شرّا لا أدري عاقبته ، ولا منفعة لي في قتله ، لأنّي سأتلف في هذه البئر ، وهي قبري ، فما معنى قتل الأفعى ؟ أدعه ، فلعلّه أن يبتدئ بالنهش ، فأتعجّل التلف ، ولا أرى نفسي تخرج بالجوع والعطش .
فأقمت يومي كلّه على ذلك ، والأفعى لم تتحرّك [ 226 ر ] وأنا أبكي وأنوح على نفسي ، وقد يئست من الحياة .
فلمّا كان من الغد ، أصبحت ، وقد ضعفت ، فحملني حبّ الحياة على الفكر في الخلاص ، فقمت ، وجمعت من حجارة رقيقة كانت في الجبّ شيئا كثيرا ،
هامش
وبتّ فيها ليلة ، فأعجبني هواؤها ، وماؤها ، وأهلها يزيديّة .
( 4 ) الزيادة من غ .
( 5 ) سدر : تحيّر .