ولا سمعت بمثله فيما مضى من الدهر ، ولا على وجه الأرض أخبث سريرة ، ولا أكفر لنعمة ، ولا أدنأ طبعا من هذا النبطيّ الذي لا يشكر من أعطاه ، ووزن عنه هذا المال العظيم .
قال : وصرت إلى الرشيد ، وقصصت عليه القصّة [ 37 ن ] ، وطويت عنه ما تمثّل به منصور ، خوفا أن يقتله إذا سمع ذلك .
فقال الرشيد : قد علمت أنّه إن نجا فإنّما ينجو بأهل هذا البيت ، أطلق الرجل ، واقبض المال ، وأردد العقد ، فإنّي لم أكن أهب هبة ، وترجع إلى مالي .
قال صالح : فلم أطب نفسا إلّا بتعريف يحيى ما قاله منصور ، فرجعت إليه وأطنبت في شكره ، ووصف ما كان منه .
وقلت له : ولكنّك أنعمت على غير شاكر ، قابل أكرم فعل ، بألأم قول .
قال : فأخبرته بما كان ، فجعل - واللّه - يطلب له المعاذير ، ويقول : يا أبا عليّ إنّ المنخوب القلب ، ربما سبقه لسانه ، بما ليس في ضميره . وقد كان الرجل في حال عظيمة .
فقلت : واللّه ، ما أدري من أيّ أمريك أعجب ، من أوّله ، أو من آخره ، ولكنني أعلم أنّ الدهر لا يخلف مثلك أبدا « 6 » .
هامش
( 6 ) هذه القصّة لا توجد في ر ، ولا في غ ، وقد وردت في كتاب المستجاد من فعلات الأجواد للقاضي التنوخي مؤلف هذا الكتاب .