الرّبيع « 8 » مرتفعا ، فقلت : هذا مسجد قوم سراة ، فدخلته ، وحضرت صلاة المغرب ، فصلّيت ، وأقمت بمكاني إلى أن صلّيت العشاء ، وبي من الجوع والتعب أمر عظيم .
فانصرف أهل المسجد ، وبقي رجل يصلّي ، وخلفه جماعة خدم وفحول « 9 » ، ينتظرون فراغه ، فصلّى مليّا ، ثمّ انصرف إليّ بوجهه ، وقال : أحسبك غريبا .
قلت : أجل .
قال : فمتى كنت في هذه المدينة ؟
قلت : دخلتها آنفا ، وليس لي بها منزل ولا معرفة ، وليست صناعتي من الصنائع الّتي يمتّ بها إلى أهل الخير .
فقال : وما صناعتك ؟
قلت : أغنّي .
فقام ، وركب مبادرا ، ووكّل بي بعض من كان معه ، فسألت الموكّل بي عنه ، فقال لي : هذا سلام الأبرش « 10 » ، ثمّ عاد ، فأخذ بيدي ، فانتهى بي إلى قصر من قصور الخليفة ، فأدخلني مقصورة « 11 » في آخر الدهليز ، ودعا بطعام من طعام الملوك على مائدة ، فأكلت ، فإنّي لكذلك ، إذ سمعت ركضا في الدهليز ، وقائلا يقول : أين الرّجل ؟
فقيل : هو ذا .
هامش
( 8 ) كانت دار الفضل بن الربيع على شارع الميدان ، وله منظرة تطلّ على الشارع ( تاريخ بغداد لابن طيفور 11 ) .
( 9 ) يريد بالخدم : الطواشية ، والطواشي إمّا خصي أو مجبوب ، ويريد بالفحول : الخدم غير الطواشية .
( 10 ) سلام الأبرش : خادم خصي ، خدم المنصور ( ابن الأثير 6 / 23 ) وحجب المهدي ( العيون والحدائق 3 / 281 ) وخدم الرشيد أيضا ( ابن الأثير 6 / 179 ) والمأمون ( ابن الأثير 6 / 383 ) ، وكان إيتاخ القائد الخزري من مماليكه ، فاشتراه منه المعتصم ورفعه حتّى ولّاه هو والواثق أكبر الأعمال ( تجارب الأمم 6 / 542 وابن الأثير 7 / 43 ) .
( 11 ) المقصورة : حجرة من حجر الدار .