ففطنت ، وكلحت « 3 » .
وقالت : ما أعجب أمركم ، لا يزال أحدكم يجيء إلى الجارية عليها الضريبة « 4 » ، فيحبسها .
فضربت يدي إلى الثلاثة دراهم ، فدفعتها إليها ، وقلت : أقيمي بهذه وجهك اليوم ، إلى أن نلتقي .
فأخذتها كالكارهة ، وقالت : أنت الآن تريد أن تأخذ منّي صوتا ، أحسبك ستأخذ به ألف دينار ، وألف دينار ، وألف دينار ، وانبعثت تغنّي .
فأعملت فكري في غنائها ، حتّى دار لي الصوت ، وفهمته ، فانصرفت مسرورا إلى منزلي ، وأنا أردّده ، حتّى خفّ على لساني .
ثمّ إنّي خرجت إلى بغداد ، فدخلتها ، فطرحني المكاري بباب محوّل « 5 » ، لا أدري أين أتوجّه ، فلم أزل أمشي مع النّاس ، حتّى أتيت الجسر « 6 » ، فعبرته ، ثمّ انتهيت إلى شارع الميدان « 7 » ، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن
هامش
( 3 ) كلح : عبس وتكثّر .
( 4 ) الضريبة : مبلغ من المال يفرض السيد على مملوكه أن يؤدّيه إليه يوميّا ، إذا أذن له بالعمل في صناعة أو حرفة ، على أن للمملوك ما زاد على الضريبة .
( 5 ) باب محوّل : محلّة كبيرة من محال بغداد ، كانت متّصلة بالكرخ ، وهي الآن منعزلة كالقرية ذات جامع وسوق مستغنية بنفسها في غربي الكرخ ، مشرفة على الصراة ( مراصد الاطلاع 10 / 146 ) ، أقول :
إنّ باب محوّل اندثرت منذ زمان بعيد ، ولكنّ اتّساع العمران في بغداد ، في النصف الثاني من القرن العشرين ، أعاد العمران إلى الموضع الذي كانت فيه .
( 6 ) هو الجسر الذي يصل محلّة الشرقيّة في الجانب الغربي من بغداد ، بمحلّة باب الطاق في الجانب الشرقي ، وفي محلّه الآن جسر الصرافية الحديد .
( 7 ) شارع الميدان : شارع بالجانب الشرقي من بغداد خارج الرصافة ، وكان يمتدّ من الشماسيّة إلى سوق الثلاثاء ( معجم البلدان 3 / 231 و 232 ) أقول : هو الآن شارع الأعظمية ، وهو الشارع العامّ الممتد من الأعظمية إلى أن يتّصل بشارع الرّشيد ببغداد .