فلم يزل على هذا ، إلى أن طلب وصيف الكبير « 2 » ، رفيق بغا « 3 » ، من يجلسه بباب داره ، فيكتب ما يدخل إلى المطبخ ، من الحيوان ، والحوائج ، ليقايس به ما يحتسب عليه .
فوصف عون ، أخاه سلمة ، لذلك ، ووجّه إليه فأحضره ، فامتنع ، وذكر أنّه لا دربة له به ، ولا فيه آلة له .
فضمن له عون معاونته ، وإجمال الحساب في كلّ عشيّة ، وأجري عليه رزق يسير .
وجلس بالباب ، وصار يدعو بالحمّالين ، فيثبت ما يحضرونه ، ويرفع في كلّ يوم مدرجا « 4 » بتفصيل ذلك .
فلمّا انقضى الشّهر جمع وصيف المدارج ، وأحضر كاتبا غريبا ، وتقدّم إليه أن يؤرّجها « 5 » على أصنافها .
وعمل كاتب ديوانه عملا بما رفعه الوكلاء في ذلك الشّهر ، فظهرت فيه زيادة عظيمة ، فحطّت وتوفّر مالها .
وحسن موقع ذلك من وصيف ، وأحضر سلمة ، وما كان رآه قبل ذلك ، وصرف المتصرّفين في المطبخ به ، وأسنى جائزته .
فتوفّر على يده في الشّهر الثاني ، ممّا كان حطّ من الأسعار ، ما حسن موقعه .
هامش
( 2 ) وصيف : القائد التركي ، من موالى المعتصم ، وأحد قوّاده الكبار ، كان يحجب المعتصم ، وعند وفاة الواثق ، اشترك في استخلاف المتوكّل ، وتولّى حجابته ، ثم اشترك في قتله ، وسيطر على الدولة مشاركا للقائد بغا ، وقتل سنة 253 ( العيون والحدائق 3 / 409 وتجارب الأمم 6 / 485 - 578 ، والطبري 9 / 374 ) .
( 3 ) أبو موسى بغا الملقّب بالكبير : ترجمته في حاشية القصّة 190 من الكتاب .
( 4 ) المدرج ، بضم الميم : الرقعة الملفوفة ، يريد بها القائمة الّتي دوّن فيها ما أحضره الحمّالون إلى المطبخ .
( 5 ) التأريج : تنظيم فقرات الحساب وصفّها تحت عدّة أبواب يحتاج إلى علم جملها ، ليسهل عقد الحساب ( مفاتيح العلوم 37 ) .