فقالت : يا هذا ، الساعة أموت ، فأخرج ، وخذ لي شيئا أتقوّى به .
فخرجت أتخبّط في الظلمة والمطر ، حتّى جئت إلى بقّال فوقفت عليه ، فكلّمني بعد كلّ جهد ، فشرحت له حالي ، فرحمني ، وأعطاني بتلك القطعة حلبة ، وزيتا ، أغلاهما عنده ، وأعارني غضارة جعلته فيها ، فمشيت أريد موضعي ، فزلقت ، فانكسرت الغضارة ، وذهب ما فيها .
فورد عليّ أمر عظيم ، ما ورد عليّ مثله قط ، وأقبلت ألطم ، وأبكي ، وأصيح ، فإذا برجل قد أخرج رأسه من شبّاك في دار ، وقال : ويلك ، مالك تبكي ، ما تدعنا ننام ، فشرحت له قصّتي .
فقال : هذا البكاء كلّه بسبب دانق ونصف ؟
فتداخلني من الغمّ أكثر من الأوّل ، فقلت : يا هذا ، واللّه ، ما لما ذهب عندي محلّ ، ولكنّ بكائي رحمة لنفسي ممّا دفعت إليه ، وإنّ زوجتي وولدي الساعة يموتان جوعا ، وو اللّه ، وإلّا فعليّ وعليّ ، وحلفت بأيمان مغلّظة ، لقد حججت في سنة كذا ، وأنا أملك من المال ، ما ذهب منّي هميان فيه دنانير وجواهر بثلاثة آلاف [ 144 ظ ] دينار ، ما فكّرت فيه ، وهو ذا تراني الآن أبكي بسبب دانق ونصف فضّة « 4 » ، فاسأل اللّه العافية والسلامة ، ولا تعيّرني فتبتلي بمثل بلواي .
فقال لي : باللّه عليك ، ما كان صفة هميانك ؟
فلطمت رأسي ، وقلت : ما يقنعك ما خاطبتني به وما تراه من صورتي ، وقيامي في الطين والمطر ، حتّى تتلهّى بي ، وأيّ شيء ينفعني وينفعك من صفة همياني ، وقد ضاع من كذا وكذا سنة ، ومشيت .
وإذا هو قد خرج يصيح بي : تعال خذ هذا ، فقدّرته يتصدّق عليّ ، فجئته .
هامش
( 4 ) الدانق : سدس الدرهم .