أمّا بعد :
فإنّ الزّمان قد تبيّن للعاقل تغيّره ، ولاح للّبيب تبدّله ، حيث يبس ضرعه بعد الغزارة ، وذبل فرعه بعد النّضارة « 1 » ، وقحل « 2 » عوده بعد الرّطوبة ، وبشع مذاقه بعد العذوبة ، فنبغ فيه أقوام يدّعون التّمكّن من العقل باستعمال ضدّ ما يوجب العقل من شهوات صدورهم ، وترك ما يوجبه نفس العقل بهجسات قلوبهم ، جعلوا أساس العقل الّذي يعتمدون « 3 » عليه عند المعضلات : النّفاق والمداهنة . وفروعه عند ورود النّائبات : حسن اللّباس والفصاحة . وزعموا أنّ من أحكم هذه الأشياء الأربع « 4 » فهو العاقل ، الّذي يجب الاقتداء به ، ومن تخلّف عنها « 5 » فهو الأنوك « 6 » ، الّذي يجب الازورار « 7 » [ 387 / أ ] عنه .
فلمّا رأيت الرّعاع « 8 » من العالم يغترّون بأفعالهم ، والهمج « 9 » من النّاس يقتدون بأمثالهم ، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف ، يشتمل تضمّنه « 10 » على معنى لطيف ، ممّا يحتاج إليه العقلاء في أيّامهم ، من معرفة الأحوال [ في أوقاتهم ] ، ليكون كالتّذكرة لذوي الحجى « 11 » عند حضرتهم ، وكالمعين لأولي النّهى « 12 » عند
هامش
( 1 ) النضارة : الحسن .
( 2 ) في المطبوع : ( ونحل ) .
( 3 ) في المطبوع : ( يعقدون ) .
( 4 ) كتب الناسخ على الهامش : ( الأربعة ) . ولكن لم يشطب على : ( الأربع ) .
( 5 ) في المطبوع : ( ومن تخلف عن إحكامها ) .
( 6 ) الأنوك : الأحمق .
( 7 ) الازورار : الانقباض والتباعد .
( 8 ) الرعاع : الجهلة والدهماء .
( 9 ) الهمج : الحمقى .
( 10 ) في المطبوع : ( متضمّنه ) .
( 11 ) الحجى - بالكسر مقصورا - : العقل .
( 12 ) النّهى : جمع نهية - بالضم - وهي : العقل أيضا .