تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الورع — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
هامش
- وبصره ، وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه ، وهو يقول : اللهم أوزعني أن أحمدك حمدا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا ، قلت : واللّه ! لآتين هذا الرجل ، ولأسألنه أنى له هذا الكلام : فهم أم علم أم إلهام ألهم ؟ فأتيت الرجل ، فسلمت عليه ، فقلت : سمعتك وأنت تقول : « اللهم أوزعني أن أحمدك حمدا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا » فأي نعمة من نعم اللّه عليك تحمده عليها ؟ وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها ؟ قال : وما ترى ما صنع ربي ، واللّه ! لو أرسل السماء علي نارا فأحرقتني ، وأمر الجبال فدمرتني ، وأمر البحار فغرقتني ، وأمر الأرض فبلعتني ما ازددت لربي إلا شكرا لما أنعم علي من لساني هذا ، ولكن يا عبد اللّه : إذ أتيتني ، لي إليك حاجة ، قد تراني على أي حالة أنا ؛ أنا لست أقدر لنفسي على ضر ولا نفع ، ولقد كان معي بني لي يتعاهدني في وقت صلاتي ، فيوضيني ، وإذا جعت أطعمني ، وإذا عطشت سقاني ، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام ، فتحسسه لي رحمك اللّه . فقلت : واللّه ما مشى خلق في حاجة خلق كان أعظم عند اللّه أجرا ممن يمشي في حاجة مثلك . فمضيت في طلب الغلام ، فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل ، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه ، فاسترجعت . وقلت : أنى لي وجه رقيق آتي به الرجل ، فبينما أنا مقبل نحوه ، إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما أتيته سلمت عليه ، فرد علي السّلام فقال : ألست بصاحبي ؟ قلت : بلى ! قال : ما فعلت في حاجتي ؟ فقلت : أنت أكرم على اللّه أم أيوب النبي ؟ قال : بل أيوب النبي . قلت : هل علمت ما صنع به ربه ؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده ؟ قال : بلى . قلت : فكيف وجده ؟ قال : وجده صابرا شاكرا حامدا . قلت : لم يرض منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبابه . قال : نعم . قلت : فكيف وجده ربه ؟ قال : وجده صابرا شاكرا حامدا . قلت : فلم يرض منه بذلك حتى صيره عرضا لمار الطريق هل علمت ؟ قال : نعم . قلت : فكيف وجده ربه ؟ قال : صابرا شاكرا حامدا ، أوجز ، رحمك اللّه ! قلت له : إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل ، وقد افترسه سبع فأكل لحمه ، فأعظم اللّه لك الأجر ، وألهمك الصبر . فقال المبتلى : الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقا يعصيه فيعذبه بالنار ، ثم استرجع ، وشهق شهقة ، فمات . فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، عظمت مصيبتي ؛ رجل مثل هذا إن تركته -