من سياسة « 1 » نفسه وأهله وخاصته وجميع ما يحتاج اليه من أمر دينه ودنياه وآخرته وأولاه « 2 » ويحضه « 3 » على حسن طاعته للملوك ويجنبه ما تكون مجانبته خيرا له ، ثم جعله باطنا وظاهرا كرسم سائر الكتب التي برسم الحكمة فصار الحيوان لهوا وما ينطق به حكما وأدبا .
- 10 -
فلما ابتدأ بيدبا بذلك ، جعل أول الكتاب وصف الصديق ، وكيف يكون صديقان ، وكيف تقطع المودة الثابتة بينهما بحيلة ذي النميمة « 4 » .
وأمر تلميذه أن يكتب على لسان بيدبا مثل ما كان الملك شرطه « 5 » في أن يجعله لهوا وحكمة . فذكر بيدبا أن الحكمة متى دخلها كلام النقلة « 6 » أفسدها واستجهل حكمتها .
فلم يزل هو وتلميذه يعملان الفكر فيما سأله الملك حتى فتق « 7 » لهما العقل أن يكون كلامهما على لسان بهيمتين . فوقع لهما موضع اللهو والهزل بكلام البهائم ، وكانت الحكمة ما نطقا به ، فأصغت الحكماء إلى حكمه وتركوا البهائم واللهو وعلموا أنها السبب في الذي وضع لهم ، ومالت إليه الجهال عجبا من محاورة بهيمتين ، ولم يشكوا في ذلك ، واتخذوه لهوا ، وتركوا معنى الكلام أن يفهموه ، ولم يعلموا الغرض الذي وضع له ، لأن الفيلسوف إنما كان غرضه في الباب الأول أن يخبر عن تواصل الإخوان كيف تتأكد المودة بينهم على التحفظ « 8 » من
هامش
( 1 ) سياسة : تدبير الامر واحسان النظر إليه .
( 2 ) أولاه : ما تقدم من عمره .
( 3 ) يحضه : يحثه ويدعوه .
( 4 ) النميمة : نقل الأحاديث لبذر الخلاف .
( 5 ) شرطه : اشترطه .
( 6 ) النقلة ، جمع ناقل : ناسخ الكتاب .
( 7 ) فتق : كشف .
( 8 ) تحفظ منه وعنه : احترز ، تصون .