اخلاق الملوك وسياستها للرعية ، فيسقط بذلك عني وعنهم كثير مما نحتاج إليه في معاناة « 1 » الملك . وأريد ان يبقى لي هذا الكتاب بعدي ذكرا على غابر « 2 » الدهور .
- 9 -
فلما سمع بيدبا كلامه خر له ساجدا ورفع رأسه وقال : أيها الملك السعيد جده « 3 » علا نجمك ، وغاب نحسك ، ودامت أيامك ؛ إن الذي قد طبع عليه الملك من جودة القريحة ، ووفور العقل ، حركه إلى عالي الأمور ، وسمت به نفسه وهمته إلى اشرف المراتب منزلة ، وابعدها غاية .
وادام اللّه سعادة الملك واعانه على ما عزم من ذلك ، وأعانني على بلوغ مراده . فليأمر الملك بما شاء من ذلك ، فإني صائر « 4 » إلى غرضه مجتهد فيه برأيي .
قال له الملك : يا بيدبا ، لم تزل موصوفا بحسن الرأي وطاعة الملوك في أمورهم ، وقد اختبرت منك ذلك واخترت ان تضع هذا الكتاب ، وتعمل فيه فكرك وتجهد فيه نفسك ، بغاية ما تجد إليه السبيل . وليكن مشتملا على الجد والهزل واللهو والحكمة والفلسفة .
فكفر « 5 » له بيدبا وسجد وقال : قد أجبت الملك ، أدام اللّه أيامه ، إلى ما أمرني به وجعلت بيني وبينه أجلا « 6 » قال : وكم الأجل ، قال : سنة .
قال : قد أجلتك ، وامر له بجائزة سنية « 7 » تعينه على عمل الكتاب . فبقي بيديا مفكرا في الاخذ فيه وفي اي صورة يبتدئ بها فيه وفي وضعه .
هامش
( 1 ) معاناة : معالجة .
( 2 ) غابر : ماضي الدهور .
( 3 ) جده : طالعه ، حظه .
( 4 ) صائر : منته وواصل .
( 5 ) كفر له : خضع ، وسجد : خضع وانحنى .
( 6 ) أجلا : موعدا .
( 7 ) سنية : رفيعة .