وبكم أعتضد « 1 » ، وعليكم أعتمد . فإن الوحيد في نفسه ، والمنفرد برأيه حيث كان ، فهو ضائع ولا ناصر له ، على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود .
- 3 -
والمثل في ذلك أن قنبرة اتخذت أدحية « 2 » وباضت فيها على طريق الفيل ، وكان للفيل مشرب يتردد إليه . فمر ذات يوم على عادته ، ليرد مورده فوطىء عش القنبرة وهشم بيضها وقتل فراخها . فلما نظرت ما ساءها علمت أن الذي نالها من الفيل لا من غيره . فطارت فوقعت على رأسه باكية ثم قالت : أيها الملك ، لم هشمت بيضي وقتلت فراخي وأنا في جوارك ؟ أفعلت هذا استصغارا منك لأمري واحتقارا لشأني ؟
قال : هو الذي حملني على ذلك ؛ فتركته وانصرفت إلى جماعة الطير فشكت إليها ما نالها من الفيل ، فقلن لها : وما عسى أن نبلغ منه ونحن طيور ؟ فقالت للعقاعق والغربان : أحب منكن أن تصرن معي إليه فتفقأن عينيه ، فإني أحتال له بعد ذلك بحيلة أخرى . فأجبنها إلى ذلك وذهبن إلى الفيل ، فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما ، وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه إلا ما يقمّه « 3 » من موضعه .
فلما علمت ذلك منه جاءت إلى غدير « 4 » فيه ضفادع كثيرة ، فشكت إليها ما نالها من الفيل . قالت الضفادع : ما حيلتنا نحن في عظم الفيل ، وأين نبلغ منه ؟ قالت : أحب منكن أن تصرف معي إلى وهدة « 5 » قريبة منه ، فتنققن فيها وتضججن . فإنه إذا سمع أصواتكن لم يشك في الماء فيهوي فيها ، فأجبنها إلى ذلك واجتمعن في الهاوية .
هامش
( 1 ) اعتضد : استعين .
( 2 ) ادحية : وكر .
( 3 ) يقمه : يتناوله عن وجه الأرض .
( 4 ) غدير : مستنقع .
( 5 ) وهدة : هوة .