فتناول أولهما منه ثلاثا ، ومرّ عليه إبراهيم ، فأشار اليه رفيقه ان يمسك ، فرمقه الجاحظ وقال :
- دعه يا فتى . . فقد كان عندي في هذه الأيام بعض اخواني ، فقدمت اليه الرطب ، فامتنع فحلفت عليه ، فأبى إلا أن يبرّ قسمي بثلاثمئة رطبة . .
وهذا يدل على أن كان من المفروض على من يزور بغداد في ذلك العصر . .
ان يزور الجاحظ في منزله وان يستمع إلى حديثه .
وكذلك اتفق الجاحظ وابن المقفع في أن كل واحد منهما كان منكرا للنظم القائمة في عهده ، فقد كان الجاحظ من المعتزلة الذين يحاولون التوفيق بين العلم والدين ، وكان ابن المقفع من الناقمين على الحالة في عصره نقمة شديدة بالغة . .
وكان محبا للانتقاد والهدم إلى أبعد الحدود ، فلم يكن يعرض امامه شيء إلا تناوله بشيء من الهزء والسخرية والنقد الشديد تجد هذا في كتبه ، موزعا بين الحكم والعظات وضروب الأمثال . .
. . .
وقد نعم الجاحظ كما نعم ابن المقفع بالعيش الرغيد مما درته عليه كتبه ومؤلفاته فقد سأل أحدهم الجاحظ :
- الك ضيعة بالبصرة . . ؟
فتبسم الجاحظ وقال :
- اني أعيش مع جارية وخادمة وخادم وحمار . . أهديت كتاب ( الحيوان ) إلى ( الزيات ) الوزير فأهداني خمسة آلاف دينار ، وأهديت كتاب ( البيان والتبيين ) إلى الوزير ابن أبي داود ، فأعطاني خمسة آلاف دينار ، وأهديت كتاب الزرع والنحل إلى إبراهيم بن العباس فأعطاني خمسة آلاف دينار ، فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد . .
وعاش ابن المقفع عند كبار الأمراء والولاة ، ينعم بالرفاه والسعادة والمركز الرفيع . .
آثار ابن المقفع — صفحة 25
مساهمون: ابن المقفع
ص٢٥