لا يستطاع بالشدة والمكابرة « 1 » حتى يصاد بالرفق والملاينة كما يصاد الفيل الوحشي بالفيل الداجن .
قال الملك : إن العاقل الكريم لا يترك إلفه ولا يقطع إخوانه ولا يضيع الحفاظ « 2 » ، وإن هو خاف على نفسه ، حتى إن هذا الخلق يكون في أوضع الدواب منزلة . فقد علمت أن اللعابين يلعبون بالكلاب ثم يذبحونها ويأكلونها ، ويرى الكلب الذي قد ألفهم ذلك فيمنعه من مفارقتهم ألفته إياهم .
قال فنزة : إن الأحقاد مخوفة حيث كانت وأخوفها وأشدها ما كان في أنفس الملوك ، فإن الملوك يدينون « 3 » بالانتقام ويرون الدرك « 4 » والطلب بالوتر مكرمة وفخرا . وأن العاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سكن ، فإنما مثل الحقد في القلب إذا لم يجد محركا مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطبا ، فليس ينفكّ الحقد مطلعا « 5 » إلى العلل « 6 » كما تبتغي النار الحطب ، فإذا وجد علة استعر « 7 » استعار النار فلا يطفئه حسن كلام ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرّع ولا مصانعة « 8 » ولا شيء دون تلف الأنفس وذهاب الأرواح ، مع أنه رب واتر يطمع في مراجعة الموتور لما يرجو أن يقدر عليه من النفع له والدفع عنه . ولكني أنا أضعف من أن أقدر على شيء يذهب به ما في نفسك . وبعد فلو كانت نفسك لي على ما تقول ما كان ذلك عني مغنيا « 9 » أيضا ، ولا أزال في خوف ووحشة وسوء ظن ما اصطحبنا . فليس الرأي بيني وبينك إلا الفراق وأنا أقرأ عليك السلام « 10 » .
هامش
( 1 ) المكابرة : المعاندة والمغالبة .
( 2 ) الحفاظ : المحافظة .
( 3 ) يدينون : من الدين اي يجعلون دينهم الانتقام .
( 4 ) الدرك : الادراك .
( 5 ) مطلعا : متجها .
( 6 ) العلل جمع علة : الأسباب .
( 7 ) استعر : اضطرم .
( 8 ) مصانعة : مداراة ومداهنة .
( 9 ) مغنيا : مانعا .
( 10 ) اقرأ عليك السلام : أبلغك إياه .