ثم إن فنزة أقبل فوجد فرخه مقتولا فصاح وحزن وقال : قبحا للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء . ويل لمن ابتلي بصحبة الملوك الذين لا ذمة لهم ولا حرمة « 1 » ، ولا يحبون أحدا ولا يكرم عليهم إلا إذا طمعوا فيما عنده من عناء « 2 » واحتاجوا إلى ما عنده من علم فيكرمونه لذلك ، فإذا ظفروا بحاجتهم منه فلا ود ولا إخاء ولا إحسان ولا غفران ذنب ولا معرفة حق . هم الذين أمرهم مبني على الرياء والفجور وهم يستصغرون ما يرتكبونه من عظيم الذنوب ويستعظمون اليسر إذا خولفت فيه أهواؤهم ، ومنهم هذا الكفور « 3 » الذي لا رحمة له الغادر بإلفه وأخيه . ثم وثب في شدة حنقه على وجه الغلام ففقأ عينيه ، ثم طار فوقف على شرفة المنزل .
وبلغ الملك ذلك فجزع « 4 » أشد الجزع ثم طمع ان يحتال له فيهلكه .
فركب من ساعته وتوجه إلى ناحية الطائر حتى وقف قريبا منه وناداه وقال له : إنك آمن فانزل يا فنزة . فقال له : أيها الملك ، إن الغادر مأخوذ بغدره ، وإنه إن اخطأه عاجل العقوبة لم يخطئه الآجل « 5 » حتى إنه يدرك الأعقاب « 6 » واعقاب الاعقاب . وإن ابنك غدر بابني فعجلت له العقوبة . قال الملك : قد لعمري « 7 » غدر ابني بابنك وقد تناصفنا « 8 » جميعا فليس لك قبلنا « 9 » وليس لنا قبلك وتر « 10 » مطلوب فارجع إلينا آمنا ولا تخف . قال فنزة : لست براجع إليك أبدا فإن ذوي
هامش
( 1 ) حرمة : عهد .
( 2 ) غناء : منفعة .
( 3 ) الكفور : الجاحد النعمة .
( 4 ) جزع : قلق .
( 5 ) الآجل : خلاف العاجل .
( 6 ) الاعقاب : الخلفاء .
( 7 ) لعمري : قسما بعمري .
( 8 ) تناصفنا : انصف كل منا الآخر من نفسه .
( 9 ) قبلنا : أي عندنا
( 10 ) وتر : ثأر .