قال الملك : أصبحت وقد وجدتك صاحب العمل ووجدت غيرك من الوزراء أصحاب أقاويل ليس لها عاقبة حميدة . فقد منّ اللّه علينا بك منة عظيمة لم نكن قبلها نجد لذة الطعام والشراب ولا النوم ولا القرار . وكان يقال : لا يجد المريض لذة الطعام والنوم حتى يبرأ ، ولا الرجل الشره الذي قد اطمعه سلطانه في مال وعمل في يده حتى ينجزه له ، ولا الرجل الذي ألح « 1 » عليه عدوه وهو يخافه صباحا ومساء حتى يستريح منه قلبه . ومن وضع الحمل الثقيل عن يده أراح نفسه ، ومن أمن عدوه ثلج « 2 » صدره .
قال الغراب : أسأل اللّه الذي أهلك عدوك أن يمتعك بسلطانك وان يجعل في ذلك صلاح رعيتك ويشركهم في قرة العين « 3 » بملكك ، فان الملك إذا لم يكن في ملكه قرة عيون رعيته فمثله مثل زنمة « 4 » العنز التي يمصها الجدي وهو يحسبها حلمة الضرع « 5 » فلا يصادف فيها خيرا .
قال الملك : أيها الوزير الصالح ، كيف كانت سيرة البوم وملكها في حروبها وفيما كانت فيه من أمورها ؟ قال الغراب : كانت سيرته سيرة بطر وأشر « 6 » وخيلاء « 7 » وعجز وفخر مع ما فيه من الصفات الذميمة ؛ وكل أصحابه ووزرائه شبيه به إلا الوزير الذي كان يشير عليه بقتلي ، فإنه كان حكيما أريبا فيلسوفا حازما قلما يرى مثله في علو الهمة وكمال العقل وجودة الرأي . قال الملك : وأي خصلة كانت أدل على عقله ؟ قال : خلتان ، إحداهما رأيه في قتلي ، والأخرى انه لم يكن يكتم صاحبه نصيحة وان استقلها « 8 » ولم يكن كلامه كلام عنف
هامش
( 1 ) ألح : شدد .
( 2 ) ثلج : اطمأن ، وحقيقته برد .
( 3 ) قرة العين : السرور .
( 4 ) زنمة : قطعة لحم طويلة تتدلى من عنق العنز .
( 5 ) الضرع لذات الظلف : كالثدي للمرأة .
( 6 ) أشر : مرح ، بطر .
( 7 ) خيلاء : زهو ، وكبرياء .
( 8 ) استقلها ؛ وجدها قليلة .