صرعة « 1 » اللين والرفق أسرع وأشد استئصالا للعدو من صرعة المكابرة والعناد . فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما فوق الأرض منها . والماء بلينه وبرده يستأصل ما تحت الأرض منها . ويقال : أربعة أشياء لا يستقل قليلها : النار والمرض والعدو والدين . قال الغراب : وكل ذلك كان من رأي الملك « 2 » وأدبه وسعادة جده « 3 » وإنه كان يقال : إذا طلب اثنان أمرا ظفر به منهما أفضلهما مروءة ، فان اعتدلا في المروءة فأشدهما عزما ، فان استويا في العزم فاسعدهما جدا . وكان يقال : من حارب الملك الحازم الأريب « 4 » المتضرع « 5 » الذي لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء ، كان هو داعي الحتف « 6 » إلى نفسه ، ولا سيما إذا كان مثلك ، أيها الملك ، العالم بفروض الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضى والمعالجة والأناة « 7 » ، الناظر في أمر يومه وغده وعواقب أعماله . قال الملك للغراب : بل برأيك وعقلك ونصيحتك ويمن « 8 » طالعك « 9 » كان ذلك ، فان رأي الرجل الواحد العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدو من الجنود الكثيرة من ذوي البأس والنجدة « 10 » والعدد والعدة « 11 » . وإن من عجيب امرك عندي طول لبثك « 12 » بين ظهراني « 13 » البوم تسمع الكلام الغليظ ثم لا تسقط بينهن بكلمة . قال الغراب : لم أزل متمسكا بأدبك ، أيها الملك ، أصحب البعيد والقريب بالرفق واللين والمبالغة والمواتاة « 14 » .
هامش
( 1 ) صرعة : اهلاك .
( 2 ) رأي الملك : أي رأيك .
( 3 ) سعادة جده : حظه وتوفيقه .
( 4 ) الاريب : العاقل .
( 5 ) المتضرع : اسم فاعل من يتضرع منه ، اي المتقرب في روغان أو ملاينة .
( 6 ) الحتف : الهلاك .
( 7 ) الأناة : التأني .
( 8 ) يمن : بركة .
( 9 ) الطالع : ما يتعلق بالسعد والنحس .
( 10 ) النجدة : الشدة والبطش .
( 11 ) العدة : المراد عدة الحرب وهي أدواتها .
( 12 ) ليثك : اقامتك .
( 13 ) ظهراني : في وسط .
( 14 ) المؤاتاة : الملاينة والموافقة .