فلما أصبحت الغربان اجتمعت إلى ملكها فقلن له : قد علمت ما لقينا الليلة من ملك البوم وما منا إلا من أصبح قتيلا أو جريحا أو مكسور الجناح أو منتوف الريش أو مهلوب « 1 » الذنب . وأشد ما أصابنا ضرا جرأتهن علينا وعلمهن بمكاننا وهن عائدات الينا غير منقطعات عنا لعلمهن بمكاننا فإنما نحن لك أيها الملك فانظر لنا ولنفسك . وكان في الغربان خمسة معترف لهن بحسن الرأي يسند إليهن « 2 » في الأمور وتلقى إليهن مقاليد « 3 » الأحوال . وكان الملك كثيرا ما يشاورهن في الأمور ويأخذ آراءهن في الحوادث والنوازل « 4 » .
فقال الملك للأول من الخمسة : ما رأيك في هذا الأمر ؟ قال :
رأيي قد سبقتنا اليه العلماء ، وذلك أنهم قالوا : ليس للعدو الحنق « 5 » الذي لا طاقة لك به إلا الهرب منه .
قال الملك للثاني : ما رأيك أنت في هذا الأمر ؟ قال : ما رأى هذا من الهرب . قال الملك : لا أرى لكما ذلك رأيا أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة اصابتنا منه ، ولا ينبغي لنا ذلك فنكون به لهم عونا علينا ، ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي « 6 » نار الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة « 7 » إذا أقبل الينا فنلقاه مستعدين ونقاتله قتالا غير مراجعين فيه ولا حامين منه « 8 » وتلقى أطراف العدو ونتحرر بحصوننا وندافع عدونا بالأناة « 9 » مرة وبالجلاد « 10 » أخرى حيث نصيب فرصتنا وبغيتنا وقد ثنينا « 11 » عدونا عنا .
ثم قال الملك للثالث . ما رأيك أنت ؟ قال : لا أرى ما قالا
هامش
( 1 ) مهلوب : منتوف .
( 2 ) يسند إليهن : يعتمد عليهن .
( 3 ) مقاليد : مفاتيح .
( 4 ) النوازل : الشدائد .
( 5 ) الحنق : ذي الحنق اي الغضب .
( 6 ) نذكي : نوقد .
( 7 ) الغرة : الغفلة .
( 8 ) حامين منه : آنفين اي متكرهين .
( 9 ) الأناة : التأني .
( 10 ) الجلاد : الحرب .
( 11 ) ثنينا : رددنا .