الجرذ والناسك
كان منزلي أول أمري بمدينة ماروت في بيت رجل ناسك وكان خاليا من الأهل والعيال ، وكان يؤتى في كل يوم بجونة « 1 » من الطعام فيأكل منها حاجته ويعلق الباقي . كنت أرصد « 2 » الناسك حتى يخرج وأثب إلى الجونة فلا أدع فيها طعاما إلا ورميت منه إلى الجرذان . فجهد الناسك مرارا ان يعلق الجونة في مكان لا أناله فلم يقدر على ذلك حتى نزل به ذات ليلة « 3 » ضيف فأكلا جميعا ثم أخذا في الحديث ، فقال الناسك للضيف : من أي أرض أقبلت وأين تريد الآن ؟ وكان الرجل قد جاب « 4 » الآفاق « 5 » ورأى عجائب فأنشأ « 6 » يحدث الناسك عما وطىء « 7 » من البلاد ورأى من العجائب وجعل الناسك خلال « 8 » هذا يصفق بيديه لينفرني عن الجونة ، فغضب الضيف وقال : أنا أحدثك وأنت تهزأ بحديثي ، فما حملك على أن سألتني ؟ فاعتذر اليه الناسك وقال : إنما اصفق بيدي لأنفر جرذا قد تحيرت في أمره ولست أضع في البيت شيئا إلا أكله . فقال : جرذ واحد يفعل ذلك أم جرذان كثيرة ؟ فقال الناسك : جرذان البيت كثيرة ، لكن فيها جرذا واحدا هو الذي غلبني فما أستطيع له حيلة . قال الضيف : لقد ذكرتني قول الذي قال : لأمر ما باعت هذه المرأة سمسما مقشورا بغير مقشور . قال الناسك وكيف كان ذلك ؟
هامش
( 1 ) جونة : سلة كبيرة مغطاة بجلد .
( 2 ) ارصد : انتظر ، أراقب .
( 3 ) ذات ليلة : في احدى الليالي .
( 4 ) جاب : قطع المسافات .
( 5 ) الآفاق : النواحي .
( 6 ) أنشأ : شرع .
( 7 ) وطئ : داس .
( 8 ) خلال هذا : في تلك الفترة .