ما يجد إليه سبيلا ويترك التماس ما ليس اليه سبيل ، كمن أراد ان يجري السفن في البر والعجل « 1 » في البحر ، فإن « 2 » أنت إلا آكل وأنا طعام لك . قال الغراب : إن أكلي إياك وإن كنت لي طعاما لا يغني عني « 3 » شيئا ، وإن مودتك آنس « 4 » لي مما ذكرت ولست بحقيق إذا جئت ان اطلب مودتك ان تردني خائبا . فإنه قد ظهر لي منك من حسن الخلق ما رغبني فيك وان لم تكن تلتمس إظهار ذلك ، فإن العاقل لا يخفى فضله ، وإن هو أخفاه كالمسك الذي يكتم ثم لا يمنعه ذلك من النشر « 5 » الطيب والأرج « 6 » الفائح .
قال الجرذ : إن أشد العداوة عداوة الجوهر وهي عداوتان : منها ما هو متكافىء « 7 » كعداوة الفيل والأسد . فإنه ربما قتل الأسد الفيل أو الفيل الأسد . ومنها ما قوته من أحد الجانبين على الآخر كالتي بيني وبين السنور « 8 » وبينك وبيني . فإن العداوة التي بيننا ليست تضرك وإنما ضررها عليّ . فإن الماء لو أطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من إطفائه النار إذا صب عليها .
وإنما مصاحب العدو ومصالحه كصاحب الحية يحملها في كمه ، والعاقل لا يستأنس إلى العدو الأريب « 9 » قال الغراب : قد فهمت ما تقول وأنت خليق « 10 » ان تأخذ « 11 » بفضل خليقتك « 12 » وتعرف صدق مقالي ولا تصعب عليّ الأمر بقولك ليس إلى التواصل بيننا سبيل . فإن العقلاء الكرام لا يبتغون على معروف جزاء ، والمودة بين الصالحين
هامش
( 1 ) العجل : الدواليب والعربات .
( 2 ) فان : حرف نفي بمعنى ما .
( 3 ) يغني عني : يفيدني ويدفع عني .
( 4 ) آنس : تفضيل من الانس .
( 5 ) النشر : الرائحة العطرة .
( 6 ) الارج : ذكاء الرائحة .
( 7 ) متكافىء : متماثل .
( 8 ) السنور : الهر .
( 9 ) الاريب : العاقل .
( 10 ) خليق : أهل .
( 11 ) تأخذ : تعمل .
( 12 ) خليقتك طبيعتك .