والمسيئون اجتنابا للذنوب . والرأي إليك « 1 » يا دمنة أن تنظر الذي وقعت فيه وتعترف بذنبك وتقر به وتتوب ، فلأن يعاقب المرء في الدنيا خير من عقاب الآخرة ، فأجابه دمنة : إن صالحي القضاة لا يقطعون « 2 » بالظن ولا يعملون به لا في الخاصة ولا في العامة لعلمهم أن الظن لا يغني من الحق « 3 » شيئا . وأنتم ان ظننتم أني مجرم فيما فعلت فإني أعلم بنفسي منكم ، وعلمي بنفسي يقين لا شك فيه ، وعلمكم بي غاية الشك . وإنما قبح أمري عندكم أني سعيت بغيري « 4 » فما عذري عندكم إذا سعيت بنفسي كاذبا عليها فأسلمتها إلى القتل والعطب على معرفة مني ببراءتي وسلامتي مما قرّفت « 5 » به ، ونفسي أعظم الأنفس عليّ حرمة « 6 » وأوجبها حقا ؟ فلو فعلت هذا بأقصاكم وأدناكم لما وسعني « 7 » في ديني ولا حسن بي في مروءتي ولا حق لي « 8 » أن أفعله فكيف أفعله بنفسي ؟ فاكفف ، أيها القاضي ، عن هذه المقالة فإنها إن كانت نصيحة فقد أخطأت موضعها ، وإن كانت خديعة فإن أقبح الخداع ما كان من غير أهله ، مع أن الخداع والمكر ليسا من أعمال صالحي القضاة ولا ثقات « 9 » الولاة . واعلم أن قولك مما يتخذه الجهال والأشرار سنة « 10 » يقتدون بها لأن أمور القضاء يأخذ بصوابها أهل الصواب وبخطإها أهل الخطأ والباطل والقليلو الورع . وأنا خائف عليك ، أيها القاضي ، من مقالتك هذه أعظم الرزايا والبلايا ، وليس من البلاء والمصيبة أنك لم تزل في نفس الملك والجند والخاصة والعامة ، فاضلا في رأيك ، مقنعا في عقلك ، مرضيا في حكمك وعفافك وفضلك
هامش
( 1 ) الرأي إليك : مفوض إليك .
( 2 ) قطع بكذا : تأكد ، تحقق .
( 3 ) لا يغني من الحق : لا يؤثر فيه ولا يدفعه .
( 4 ) سعيت بغيري : بلغت عنه بالفساد .
( 5 ) فرقت به : اتهمت .
( 6 ) حرمة : عهد ورعاية .
( 7 ) لما وسعني : لما جاز لي
( 8 ) حق لي : كنت حقيقا أي اهلا .
( 9 ) ثقات : جمع ثقة : موثوق ، مؤتمن .
( 10 ) سنة : طريقة ، خطة ، شريعة .