فلو كلفت أن تعمل الزراعة لكنت جديرا بالخذلان « 1 » فيها ، فالأحرى بك ألا تدنو إلى عمل من الأعمال وألا تكون دباغا ولا حجاما لعاميّ فضلا عن خاص خدمة الملك .
قال سيد الخنازير : أو لي تقول هذه المقالة وتلقاني بهذا الملقى ؟
قال دمنة : نعم ، وحقا قلت فيك وإياك أعني ، أيها الأعرج المكسور الذي في وركه الناسور ، الأفدع « 2 » الرجل ، المنفوخ البطن ، الأفلح « 3 » الشفتين ، السيء المنظر والمخبر « 4 » .
فلما قال دمنة : ذلك تغير وجه سيد الخنازير واستعبر « 5 » واستحى وتلجلج لسانه واستكان « 6 » وفتر نشاطه .
فقال دمنة حين رأى انكساره وبكاءه : إنما ينبغي أن يطول بكاؤك إذا اطلع الملك على قذرك وعيوبك فعزلك عن طعامه وحال « 7 » بينك وبين خدمته وأبعدك عن حضرته . ثم إن شعهرا كان الأسد قد جربه ، فوجد فيه أمانة وصدقا فرتبه في خدمته وأمره أن يحفظ ما يجري بينهم ويطلعه عليه . فقام الشعهر فدخل على الأسد فحدثه بالحديث كله على جليته ، فأمر الأسد بعزل سيد الخنازير عن عمله ، وأمر ألا يدخل عليه ولا يرى وجهه ، وأمر بدمنة أن يرد إلى السجن وقد مضى من النهار أكثره . وجميع ما جرى وقالوا وقال قد كتب وختم عليه بخاتم النمر ورجع كل واحد منهم إلى منزله .
ثم إن شعهرا ، يقال له روزبة ، كان بينه وبين كليلة إخاء ومودة ، وكان عند الأسد وجيها وعليه كريما . واتفق أن كليلة أخذه الوجد « 8 »
هامش
( 1 ) الخذلان الخيبة .
( 2 ) الافدع : الذي يميل عند المشي إلى الجانب الانسي من قدمه .
( 3 ) الأفلح : المشقوق .
( 4 ) المخبر : أي الذات .
( 5 ) استعبر : جرت عبرته اي دمعته .
( 6 ) استكان : ذل .
( 7 ) حال بينه : اعترض .
( 8 ) الوجد : الهم الشديد .