فعرف أولئك العظماء ما قالتا ، فنظر بعضهم إلى بعض ونكسوا رؤوسهم حياء وخجلا وجعل يغمز بعضهم بعضا . فقال الرجل : ما أعلم ما تقولان ولكني يعجبني ذلك منهما وسألهم عما تقولان فامتنعوا ان يقولوا ما قالتا فألح عليهم وأكثر السؤال عما قالتا فأجابوا : إنما تقولان كذا وكذا ، وليس من شأننا أن نأكل من بيت يعمل فيه الفجور . فلما قالوا ذلك سألهم الرجل أن يكلموهما بلسان البلخية بغير ما نطقتا به ، وبان لهم وللجماعة براءة البيت مما رمي به ووضح كذب البازيار .
فأمر بالبازيار ان يدخل عليه وكان على يده باز أشهب « 1 » فصاحت به امرأة المرزبان من داخل البيت : أيها العدو لنفسه ، أنت رأيت في البيت ما ذكرت وعلمت به الببغاءين . قال : نعم ، أنا رأيت فيه مثل ما تقولان ، فوثب البازي إلى وجهه ففقأ عينه بمخالبه .
فقالت المرأة : بحق أصابك إنه لجزاء من اللّه تعالى لشهادتك بما لم تره عينك .
وإنما ضربت لك هذا المثل ، أيها القاضي ، لتزداد علما بوخامة « 2 » عاقبة الشهادة بالكذب في الدنيا والآخرة . فلما سمع القاضي ذلك من لفظ دمنة نهض فرفعه إلى الأسد على وجهه « 3 » ، فنظر فيه الأسد فدعا أمه فعرضه عليها . فقالت حين تدبرت « 4 » كلام دمنة : لقد صار اهتمامي بما أتخوف من احتيال دمنة لك بمكره ودهائه حتى يقتلك أو يفسد عليك أمرك ، أعظم من اهتمامي بما سلف من ذنبه إليك في الغش والسعاية « 5 » حتى قتلت صديقك بغير ذنب فوقع قولها في
هامش
( 1 ) أشهب : أبيض في سواد .
( 2 ) وخامة : سوء .
( 3 ) على وجهه : على حكمه ، كما سمعه .
( 4 ) تدبرت : اعتبرت وتأملت .
( 5 ) السعاية : النميمة والفساد