القيامة قد قامت ونفخ في الصّور حيث رفعت من كربلاء مرّة واحدة صيحة واحدة وضجّة عالية تذهل به العقول وتدهش بها الألباب ، فكأنّ أرض كربلاء وما فيها من الأبنية والدّور والقلعة والسّور والجدران والحيطان والفضاء والهواء تضجّ وتبكي ، فكم من مشاعل نصبت فيها ، وكم من أفواج من رجال العجم من الشّيوخ والشّبّان والكهول والصِّبيان ، في مقدمهم شبيه جواد الإمام عليه السلام ملطّخاً بالدّماء ، مشبّهاً من كثرة النّبال الواقعة به بالقنفذ أو الطّير الفاتح الجناح ، وهم مكشوفو الرّؤوس يدقّون رؤوسهم ويضربون صدورهم بالأكفّ والأيادي ويصيحون صيحة الثّكلى ، وكم من أناس بينهم أشباه الأسارى والسّبايا النّادبات الصّارخات وهم يحثّون التّراب والرّماد على الرّؤوس ويئنّون أنّةَ من قطعت أعضائه إرباً إرباً ويقولون في صيحتهم : وا إماما ، وا قتيلا ، وا حسينا ، وا شهيدا ، وكم من معشر من أهل بلاد الهند والبربر ينوحون وينحبون نوحة فيها ذوبان شحوم الأمعاء والحوايا ، وكم من جمع عُراة حُفاة منهم يضربون رؤوسهم وصدورهم ومناكبهم بسلاسل من الحديد ، وكم من نساء العرب قد حلقن حلقة الاستدارة ، فيصرخن ويندبن ندبة الثّكلى على السّبايا ، فكان النّاس على ذلك المنوال حتّى مضى ثلثا اللّيل بلأزيد ، فشرع النّاس إلى التّضرّع وبادروا إلى الرّجوع إلى منازلهم ، ففي قريب من طلوع الفجر لم يبق في الصّحن الشّريف أحد ولا سراج ولا مشعل ، فبينما النّصرانيّ في الحيرة والتّفكّر فيما شاهد ورأى ، فإذا برجل عظيم الشّان ، جليل الرّتبة قد خرج من الحرم الشّريف ، فملأ الصّحن الشّريف بنور وجهه وسطع نوره إلى السّماء ، فجاء إلى أن وقف في آخر الأيوان في قبال المسرجة الكبرى ، وقد حضر عنده شخصان قائمان بغاية الخضوع والخشوع ونهاية التّأدّب ومتمثّلان مثول العبد الذّليل بين يدي المولى الجليل . فقال لهما :
ائتيا بدفتركما ، فأتيا بما عندهما من الطّرس والدّفتر ، فلمّا نظر إليه ، قال : ما أجدتما حيث لم تستوفيا في الكتابة ، فردّ الدّفتر إليهما ، فارتعدت فرائصهما ، فقالا : بحقِّك وبحقِّ مَنْ فضّلكم أهل البيت على العالمين إنّا كتبنا كلّ مَنْ كان في الحرم والرّواق والإيوان والصّحن ، وهكذا كلّ من في حرم العبّاس ورواقه وإيوانه وصحنه وفوق الحجرات وسطحها . فقال لهما ثانياً : انظرا إلى الطّرس ، فناولاه الدّفتر ، فنظر إليه ، وقال : الأمر
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 1099
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١٠٩٩